في خطوة غير مسبوقة تهدف إلى إعادة قراءة التاريخ الفني لأوروبا من منظور مختلف، أعلن اثنان من أعرق المتاحف العالمية عن إطلاق مشروع بحثي مشترك يجمع بين الإثارة التاريخية والفن التشكيلي.
التعاون الجديد يربط بين متحف “برادو الوطني” العريق في العاصمة الإسبانية مدريد، ومتحف “ريكسميوزيوم” الشهير في مدينة أمستردام الهولندية، لتسليط الضوء على الحقبة الذهبية للقرن السادس عشر.
كواليس التحالف الفني بين مدريد وأمستردام
يسعى هذا المشروع الثقافي الضخم إلى الغوص في عمق التاريخ الأوروبي لدراسة الدور الحاسم الذي لعبته الحاكمات، الملكات، والنساء صاحبات النفوذ والسلطة خلال القرن السادس عشر.
ولم يقتصر دور هؤلاء النسوة على إدارة شؤون الحكم والسياسة فحسب، بل امتد ليشمل رعاية الفنون وصناعة الذوق العام، وهو ما سيسلط الباحثون الضوء عليه عبر تحليل الأعمال الفنية والوثائق النادرة التي يمتلكها المتحفان الكبيران.
ويأتي هذا التعاون في إطار تبادل الخبرات بين مؤسستين تمتلكان مجموعات فنية استثنائية تعكس لحظة تحول محورية في تاريخ القارة الأوروبية، حيث شهد القرن السادس عشر صعود الإمبراطوريات الكبرى وانتقال مراكز الثقل الثقافي بين جنوب القارة وشمالها.
ويُنتظر أن يعتمد فريق البحث على أدوات تحليلية حديثة، تشمل فحص المصادر الأرشيفية، ودراسة سجلات التمويل والأعمال، إضافة إلى تحليل الأسلوب الفني للوحات التي ارتبطت بأسماء هؤلاء النساء أو برعايتهن المباشرة.
كيف غيرت نساء القرن السادس عشر مسار الفن الأوروبي؟
تاريخياً، غيبت الكثير من التفاصيل المتعلقة بإسهامات النساء في دعم المبدعين والفنانين في العصور الوسطى وعصر النهضة.
من هنا يأتي الدور الريادي لمتحفي “برادو” و”ريكسميوزيوم” لإنصاف هؤلاء الشخصيات النسائية البارزة، وفهم طبيعة تأثيرهن المباشر على تطور المدارس الفنية المختلفة في تلك الفترة المضطربة والمليئة بالتحولات الكبرى في القارة الأوروبية.
فقد كانت الملكات والحاكمات في تلك الحقبة وسيطات ثقافيات حقيقيات، إذ عملن على استقطاب الفنانين من مختلف الأنحاء، وتمويل الورش الفنية، واقتناء الأعمال التي أصبحت لاحقاً من أهم مقتنيات المتاحف الأوروبية.
ولم يقتصر تأثيرهن على الاقتناء، بل امتد إلى تحديد الموضوعات الفنية المطلوبة، والتوجهات الجمالية السائدة، والصور التي أُريد تقديمها للعالم عن السلطة والهوية.
ومن النماذج البارزة التي يُتوقع أن يتناولها البحث الدور الذي لعبته الملكة إيزابيلا الأولى في إسبانيا في رعاية الفنون خلال مرحلة التوحيد والتوسع، إلى جانب نساء نافذات في البلدان المنخفضة أسهمن في دعم مدارس الرسم المحلية وتحويل مدن مثل بروكسل وأنتويرب إلى مراكز فنية بارزة.
هذه الروابط المتشابكة بين البلاط الملكي والورش الفنية هي ما يسعى المشروع إلى تفكيكه ونقده من جديد.
نتائج مرتقبة تغير نظرة العالم لتاريخ الفنون
من المتوقع أن يسفر هذا التعاون البحثي عن إطلاق سلسلة من المعارض المشتركة، والكتالوجات العلمية، والمقالات الأكاديمية التي تقدم قراءة جديدة ومختلفة تماماً لقطع فنية شهيرة ربما نظر إليها الجمهور لقرون طويلة دون معرفة القصة الحقيقية وراء تمويلها أو إلهامها، مما يعد بحدث ثقافي عالمي يترقبه عشاق الفن والتاريخ بشغف بالغ.
وتشمل النتائج المتوقعة أيضاً برامج تعليمية وورشاً تفاعلية تستهدف الجمهور العام والباحثين الشباب، بهدف إدماج البعد الجندري في دراسة تاريخ الفن بدل الاكتفاء به كموضوع هامشي.
وبهذه الطريقة، لا يقتصر الأثر على إعادة تصنيف الأعمال الفنية فحسب، بل يمتد إلى إعادة صياغة السرديات التاريخية نفسها، ودفع المتاحف الأوروبية الأخرى إلى إعادة النظر في مجموعاتها وأرشيفاتها.
ويُتوقع أن يفتح هذا المشروع الباب أمام دراسات مستقبلية تتناول نساء عشن في فترات تالية، مما قد يجعل من هذا التحالف بين مدريد وأمستردام نقطة انطلاق لحركة أوسع لإعادة قراءة تاريخ الفن الأوروبي بعين أكثر إنصافاً وشمولاً.

التعليقات