في واحدة من أكثر التصريحات حزماً بشأن قضية وجودية تمس حياة ملايين المصريين، شدد الدكتور بدر عبدالعاطي، وزير الخارجية والهجرة وشؤون المصريين بالخارج، على أن الأمن المائي المصري يمثل خطاً أحمر لا يجوز تجاوزه أو التفاوض عليه، واصفاً إياه بأنه قضية حياة أو موت لا تقبل أي تنازل أو تأجيل.
مصر تحت خط الفقر المائي: أرقام لا تحتمل التأجيل
كشف وزير الخارجية أن الدولة المصرية دخلت رسمياً تحت خط الفقر المائي العالمي، وهو ما يعني أن نصيب الفرد من المياه العذبة المتجددة يقل عن الألف متر مكعب سنوياً — الحد الذي يحدده المختصون كخط فاصل بين الأمن المائي والفقر المائي.
ويأتي ذلك نتيجة تضافر عاملين خطيرين:.
- ثبات الموارد المائية المحدودة أمام زيادات سكانية متسارعة، ما يخفض نصيب الفرد عاماً بعد عام.
- الاعتماد شبه الكامل على مياه النيل بنسبة تتجاوز 97% من الموارد المتجددة، مما يجعل أي مساس بحصة مصر تهديداً مباشراً للأمن الغذائي والمائي القومي.
وأوضح أن هذا الواقع يستلزم إدارة واعية ومستدامة لكل قطرة ماء، تشمل ترشيد الاستهلاك في الزراعة والصناعة، وتحديث نظم الري، والتوسع في تحلية مياه البحر، وإعادة استخدام مياه الصرف المعالجة، بجانب التوسع في المشروعات القومية لتعظيم الموارد المائية.
الدبلوماسية المصرية: ملف المياه على رأس الأولويات الاستراتيجية
أكد الدكتور بدر عبدالعاطي أن وزارة الخارجية لا تدخر جهداً في الدفاع عن المصالح العليا للبلاد داخل مختلف المحافل الإقليمية والدولية، موضحاً أن ملف المياه يتصدر أولويات الدبلوماسية المصرية في كل تحرك رسمي، وأن مصر تتمسك بالحلول السلمية العادلة التي تكفل حقوق الأجيال الحالية والقادمة في الحياة والتنمية، دون الإضرار بالأمن المائي القومي أو المساس بالحقوق التاريخية في مياه النيل.
خلفية الصراع: سد النهضة والحقوق التاريخية
تندرج هذه التصريحات في إطار ملف طويل الأمد يتعلق بسد النهضة الإثيوبي على النيل الأزرق، والذي أثار مخاوف مصرية متكررة من تأثيره على تدفق المياه الواصلة إليها.
وتستند مصر في موقفها إلى الاتفاقيات التاريخية التي تنظم تقاسم مياه النيل، وعلى رأسها اتفاقية 1959 بين مصر والسودان، وتطالب باستمرار بآلية قانونية ملزمة تضمن عدم الإضرار بحصتها وتراعي قواعد القانون الدولي في استخدامات المجاري المائية العابرة للحدود.
ماذا يعني «الخط الأحمر» عملياً؟
عندما تصف السلطات المصرية الأمن المائي بأنه «خط أحمر»، فإن ذلك يحمل دلالات استراتيجية عدة:
- رفض أي إجراء أحادي يشمل التنفيذ الكامل لعمليات الملء دون اتفاق مسبق مع دولتي المصب.
- الحفاظ على حق مصر التاريخي في حصتها المائية البالغة 55.5 مليار متر مكعب سنوياً وفق الاتفاقيات السارية.
- طرح القضية في المحافل الدولية، ومن بينها مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، كقضية تمس السلم والأمن الإقليميين.
- دمجها مع أمنيات التنمية، إذ لا يمكن تحقيق التنمية المستدامة للاقتصاد المصري دون موارد مائية آمنة ومستقرة.
خطوات مصرية لتعزيز الأمن المائي
إلى جانب التحرك الدبلوماسي، تتبنى الدولة المصرية حزمة من الإجراءات الداخلية لمواجهة الفجوة المائية، من بينها:
- توسيع مشروعات التحلية على سواحل البحرين المتوسط والأحمر.
- تبطين الترع وتحويل الري بالغمر إلى نظم الري الحديثة لتقليل الفاقد.
- إنشاء محطات معالجة ثلاثية لمياه الصرف الزراعي والصحي ودمجها في المنظومة المائية.
- استخدام التقنيات الحديثة والاستشعار عن بعد لمراقبة تدفقات النيل والاستعداد لاحتياجات المستقبل.
الخلاصة
يبقى ملف الأمن المائي المصري قضية وجودية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
فمع دخول مصر رسمياً تحت خط الفقر المائي، وتعاظم التحديات الإقليمية، تصبح حماية حصة النيل ضرورة استراتيجية تتجاوز حدود الدبلوماسية لتلامس استقرار الدولة وتنميتها.
وتبقى الرسالة واضحة: لا تنازل عن قطرة ماء واحدة من حق مصر التاريخي، مع التزام دائم بالحلول السلمية العادلة التي تحقق المصالح المشتركة لدول حوض النيل جمعاء..

التعليقات