أثارت التصريحات الأخيرة لوزير المياه الإثيوبي، هبتامو إيتيفا، جدلاً واسعاً في الأوساط المصرية والعربية بعد ادعائه بأن بناء السد العالي في مصر تم دون موافقة مسبقة من أديس أبابا، وأنه تسبب في أزمات اجتماعية واقتصادية.
غير أن هذه الادعاءات سرعان ما واجهت رداً حاسماً من علاء مبارك، نجل الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، الذي وصفها بأنها «مغالطة تاريخية وجغرافية في منتهى الغباء».
تفاصيل التصريحات الإثيوبية المثيرة للجدل
جاءت تصريحات وزير المياه الإثيوبي عبر منصات التواصل الاجتماعي ومقابلات رسمية، حيث زعم أن السد العالي بُني دون الحصول على موافقة أديس أبابا، مدعياً في الوقت نفسه أنه تسبب في أزمات واضطرابات اجتماعية.
ويرى مراقبون أن هذه المزاعم محاولة بائسة لتبرير الموقف الإثيوبي المتعنت في ملف سد النهضة، ومحاولة خلط الأوراق التاريخية والقانونية المتعلقة بالأنهار الدولية.
وقائع تاريخية تعكس حجم المغالطة
يعود تاريخ بناء السد العالي إلى خمسينيات القرن الماضي، حيث بدأت مصر دراساتها الفنية والهندسية قبل إعلان استقلال السودان عام 1956، وبالتوازي مع مفاوضات أوسع حول مياه النيل.
وقد أُبرمت اتفاقية عام 1959 بين مصر والسودان لتقاسم مياه النيل، وهي الاتفاقية التي ما زالت تشكل مرجعاً قانونياً أساسياً في إدارة الموارد المائية.
وقد جاء بناء السد العالي في إطار مشروع تنموي مصري سيادي، ولم يكن يتطلب أي موافقة من دول المنبع آنذاك، خاصة وأن أديس أبابا لم تكن طرفاً في اتفاقيات النيل الأساسية لعامي 1929 و1959.
أما سد النهضة، فيختلف سياقه جذرياً؛ إذ بدأ بناؤه عام 2011 على النيل الأزرق دون تشاور مسبق مع دولتي المصب، مصر والسودان، مما أثار مخاوف جدية حول تأثيراته على حصص المياه والتأثيرات البيئية والاقتصادية على المدى الطويل.
رد علاء مبارك وتفنيد المزاعم
لم يسكت علاء مبارك عن هذه الادعاءات، حيث نشر رداً عبر حسابه الرسمي على منصة «إكس»، مفنداً المزاعم بلهجة حاسمة، ومؤكداً أن محاولات زج اسم السد العالي لتبرير الأفعال الإثيوبية الأحادية لن تخدع الرأي العام المصري أو الدولي.
وشدد على أن مصر تتمسك بحقوقها التاريخية والثابتة في مياه النيل، وأن أي محاولة للمس بها لن تمر دون رد.
الأبعاد القانونية والدولية لملف المياه
تُعد قضية مياه النيل من أقدم وأعقد الملفات في القانون الدولي للمياه، حيث تستند مصر إلى مبدأ «الاستخدام التاريخي» و«عدم الإضرار»، بينما تستند إثيوبيا إلى مبدأ «الإنصاف» و«التنمية العادلة».
وقد فشلت جولات التفاوض المتعاقبة، بما فيها الوساطات الأمريكية والاتحاد الأفريقي، في التوصل إلى اتفاق ملزم حول تشغيل سد النهضة وملء خزانه.
ويؤكد خبراء القانون الدولي أن أي مشروع مائي على نهر عابر للحدود يتطلب تعاوناً وإخطاراً مسبقاً، وهو ما يثير تساؤلات حول مشروعية الإجراءات الأحادية.
تداعيات التصريحات على مسار المفاوضات
من المرجح أن تزيد هذه التصريحات من تعقيد مسار المفاوضات، خاصة مع تمسك كل طرف بمواقفه.
ويرى محللون أن الاستمرار في تبادل الاتهامات لن يخدم مصالح شعوب المنطقة، وأن الحل يكمن في العودة إلى طاولة المفاوضات برعاية دولية وأفريقية موثوقة.
كما تبرز أهمية تعزيز الدبلوماسية المائية المصرية عبر تحالفات إقليمية ودولية لضمان عدم المساس بالحقوق المائية التاريخية.
وفي الختام، يبقى ملف سد النهضة والسد العالي نموذجاً واضحاً على تداخل التاريخ والقانون والسياسة في قضايا المياه العابرة للحدود، حيث يظل الحوار الجاد والاحترام المتبادل السبيل الوحيد لتحقيق الأمن المائي والتنمية المستدامة لجميع دول حوض النيل.

التعليقات