في واحدة من أكثر اللقاءات التلفزيونية إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة، خرجت رقية السادات، الابنة الكبرى للرئيس الراحل محمد أنور السادات، بتصريحات وصفها كثيرون بأنها “وثيقة تاريخية شفهية”، إذ رفعت الستار عن كواليس حقبة مفصلية من تاريخ مصر الحديث، وكشفت عن تفاصيل ظلت حبيسة الجدران لعقود طويلة، ممزوجة بين التحليل السياسي الصريح والمشاعر الإنسانية الخالصة.
الخطأ الاستراتيجي: حين مُنحت الثقة لمن لا يستحقها
كان المحور الأبرز في حديث رقية السادات هو اعترافها الصريح بأن والدها، الذي لُقّب بـ”بطل الحرب والسلام”، ارتكب خطأً استراتيجياً جسيماً حين منح الجماعات الإسلامية في سبعينيات القرن الماضي ثقة سياسية شبه مطلقة.
وأوضحت أن هذه الثقة المفرطة لم تكن في موضعها، وأن تداعياتها لم تقتصر على المشهد السياسي الآني، بل امتدت كظلال ثقيلة ألقت بظلالها على الأمن القومي المصري لعقود تالية.
وتستعيد هذه الشهادة سياقاً تاريخياً بالغ التعقيد؛ فالسبعينيات كانت مرحلة انتقالية حساسة عقب نكسة 1967 وحرب أكتوبر 1973، حيث سعى السادات إلى إعادة تشكيل التوازنات الداخلية، وهو ما فتح الباب أمام “التيار الإسلامي” لتصعيد حضوره في الجامعات والنقابات والفضاء العام، في إطار سياسة عُرفت لاحقاً بـ”الانفتاح السياسي المتحفّظ”.
غير أن هذا التحالف، بحسب رواية نجلة الرئيس، انقلب سريعاً إلى قوة ضاغطة خرجت عن السيطرة، لتصل الأمور إلى ذروة الصدام بين الدولة والجماعات المسلحة قبيل اغتيال السادات عام 1981.
خفايا البيت: بين عبء الحكم وضغوط الحياة الخاصة
لم يقتصر اللقاء على البعد السياسي، بل تجاوزته إلى مشاهد إنسانية دقيقة عن طبيعة الحياة داخل منزل الرئيس؛ فقد تحدثت رقية عن الضغوط الهائلة التي كان يحملها والدها على كتفيه، وعن انعكاس اتخاذ القرارات المصيرية على الجلوس العائلي واللحظات الخاصة بعيداً عن أضواء السلطة.
وكشفت عن مواقف شخصية جمعت بينه وبين أسرته، رسمت صورة أكثر إنسانية لصانع القرار الأول في البلاد، بعيداً عن الصورة الرسمية الصلبة التي ظهر بها أمام الجماهير.
وقد وصف متابعون هذا الحوار بأنه يمثل نافذة نادرة على “الهامش” في التاريخ الرسمي؛ فعادةً ما تُكتب الروايات السياسية بأقلام المنتصرين، لكن شهادات أبناء القادة تقدّم طبقة إضافية من الفهم، تعيد إحياء تفاصيل الصراع الداخلي وكيفية تعامل صانع القرار مع تحديات عصره.
لماذا يكتسب هذا الحوار أهميته الآن؟
تكمن قيمة هذه الشهادة في توقيتها؛ فإعادة قراءة تجربة السادات مع الجماعات الإسلامية لا تمثل مجرد استدعاء لماضٍ مغلق، بل توفر عدسة تحليلية لفهم جذور إشكاليات سياسية وأمنية ما زالت آثارها حاضرة في المنطقة العربية.
كما أنها تعيد فتح سؤال أبدي في الفكر السياسي: إلى أي حد يمكن للدولة أن توظف الجماعات الأيديولوجية في صراعاتها الداخلية دون أن تدفع الثمن لاحقاً؟.
خلاصة
شهادة رقية السادات ليست مجرد حوار تلفزيوني عابر، بل هي شهادة نادرة تخلط بين السياسة والذاكرة والعاطفة، وتذكّرنا بأن التاريخ المصري الحديث ما زال يحتوي على غرف مظلمة لم تُفتح بعد، وأن بعض الكواليس لا تظهر إلا حين يقرر أفراد العائلة أنفسهم — ولو بعد رحيل صاحبها — أن يتحدثوا.

التعليقات