ملف التصالح في مخالفات البناء: من أزمة مزمنة إلى رافعة اقتصادية
لم يعد ملف التصالح في مخالفات البناء مجرد إجراء قانوني روتيني يخصّ أصحاب العقارات المخالفة، بل تحوّل إلى واحدة من أكثر الملفات حساسية على طاولة الدولة المصرية، تجمع بين البُعد الاجتماعي للأسرة التي تبحث عن الاستقرار القانوني لعقارها، والبُعد الاقتصادي للدولة التي تسعى لتدبير موارد مالية ضخمة دون أعباء جديدة على المواطن.
ومع التعديلات التشريعية الأخيرة التي أقرّتها الحكومة وأحالها مجلس النواب إلى لجانه المختصة، تغيّرت معادلة الملف بالكامل لصالح الطرفين.
حصيلة مالية غير مسبوقة تدعم الاقتصاد المصري
يُقدّر نواب البرلمان أن إنجاز ملف التصالح بشكل نهائي ودفعة واحدة يمكن أن يضخّ ما لا يقل عن 200 مليار جنيه إلى الخزانة العامة للدولة [1].
وتشير التقديرات إلى أن نحو 39% من إجمالي هذه الحصيلة — أي ما يقارب 78 مليار جنيه — يمكن أن يعود إلى المواطنين في صورة خدمات ومرافق ومنافع مباشرة، ما يعني أن الملف ليس مجرد عملية تحصيل مالي، بل منظومة متكاملة لإعادة توزيع عوائد التنظيم العمراني.
وتكشف الأرقام عن حجم الفرصة المهدرة: نسبة قبول طلبات التصالح لم تتجاوز 15–20% خلال أكثر من ست سنوات من تطبيق القانون، وهي نسبة تُعتبر مؤشراً واضحاً على وجود خلل في المنظومة الإجرائية أكثر من كونها انعكاساً لعدم رغبة المواطنين في التقنين [2].
كما يلفت النائب إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة، إلى أن نحو 70% من المباني التي أُقيمت بين عامي 2000 و2018 شُيّدت دون ترخيص، وهو رقم يشرح لماذا ظلّ الملف معلقاً كل هذه السنوات [3].
ما الجديد في التعديلات؟ تفاصيل التيسيرات المتوقعة
التعديلات الحكومية المطروحة لم تكن مجرد ترقيع إجرائي، بل حملت حزمة من الحالات الجديدة والضوابط المرنة التي تستهدف إخراج أكبر عدد ممكن من الملفات من حالة التعطّل [4]:
- مد العمل بالقانون لمدة إضافية تصل إلى عام كامل، مع حديث عن مهلة أطول تصل إلى 2028 في بعض الصيغ المقترحة، بهدف إتاحة الفرصة لأصحاب الطلبات القديمة والملفات المتعثرة لاستكمال مستنداتهم دون وقوعهم تحت طائلة الغرامات.
- السماح بالتصالح على الجراجات التي لا يجاوز ارتفاعها 3 أمتار، بعد أن كانت من الحالات المستبعدة تماماً من القانون، وهو ما يفتح الباب لتقنين ملايين الأمتار المبنية التي استُخدمت لأغراض سكنية أو تجارية.
- التصالح في المناطق المتاخمة للآثار وفق ضوابط محددة تحفظ الطابع التراثي والمعماري للمناطق المحيطة بالمواقع الأثرية.
- تفويض المحافظين ورؤساء المدن بصلاحيات أوسع في التعامل مع الملفات، بما يقلّص مركزية القرار ويسرّع الإجراءات على مستوى المحليات.
خصومات تحفيزية وسداد ميسّر
لم تقتصر التيسيرات على الجانب التشريعي، بل امتدّت إلى الحوافز المالية المباشرة.
فالقانون يتيح خصماً بنسبة 25% لبعض الحالات عند السداد الفوري، بينما تصل الخصومات إلى 50% لفئات معينة، من بينها حاملو «كارت تكافل وكرامة» والمطابقون للاشتراطات البنائية والتخطيطية.
كما يمنح القانون إمكانية تقسيط قيمة التصالح حتى 5 سنوات، وهو ما يخفّف الضغط على الأسر محدودة ومتوسطة الدخل ويشجعها على الإنهاء النهائي لملفاتها [5].
ويتم سداد باقي قيمة التصالح خلال 60 يوماً من إخطار مقدم الطلب بموافقة اللجنة المختصة، مع إتاحة خيار السداد الفوري مقابل الحصول على الخصم.
وفي حال رُفض الطلب أو إذا رأى المواطن أن قيمة المقابل مُبالغ فيها، يحق له التظلم خلال 30 يوماً من تاريخ الإخطار، أمام لجنة أو أكثر تُشكَّل بقرار من الجهة المختصة، وهو ضمانة قانونية تمنع تجميد الملفات بسبب الخلاف على التقييم [6].
تقليص المدة الزمنية: من 60 يوماً إلى 30
من أبرز التغييرات العملية التي لمستها لجان المعاينة، خفض المدة الزمنية اللازمة للحصول على موافقات ملفات التصالح من 60 يوماً إلى 30 يوماً فقط، وهو إجراء يستهدف القضاء على التكدس الإداري وتخفيف الضغط على الجهات التنفيذية، وضمان استكمال الأدوار وتحديث البيانات الهندسية بوتيرة أسرع [7].
مهلة تقديم الطلبات: أخطر موعد في الملف
تستمر مهلة تقديم طلبات التصالح على مخالفات البناء حتى 5 نوفمبر 2026، بعد قرار بمد فترة التقديم 6 أشهر اعتباراً من 5 مايو 2026.
ويشمل الموعد نفسه استحقاق سداد جدية التصالح، ما يجعل الالتزام بهذا التاريخ شرطاً أساسياً لمن لم يتقدّم بعد، خاصة أن أعداد الطلبات المتبقية كبيرة وسط محافظات ذات كثافة عمرانية مرتفعة.
لماذا يعتبر الملف مفصلية عمرانية واقتصادية؟
عوائد التصالح لا تُقاس بالجنيهات فقط.
فتحصيل حقوق الدولة يمكّنها من ضبط النطاق العمراني، ومنع البناء العشوائي مستقبلاً، وإدخال الوحدات غير الرسمية إلى منظومة الاقتصاد الرسمي، ما يرفع قيمتها السوقية ويمكّن أصحابها من التعامل معها في البيع والشراء والتمويل العقاري.
كما أن العقار المبرأ من المخالفات يصبح قابلاً للترخيص بالكهرباء والمياه والغاز بصفة دائمة، ويمكن توثيق ملكيته في الشهر العقاري، وهو ما يمنح الأسرة استقراراً لا سعر له.
خلاصة: قرار قد لا يتكرر
مع كل تعديل جديد، يقترب الملف من لحظة الحسم، لكن الرسالة الأهم التي يكرّرها النواب والحكومة أن الإعفاءات والتسهيلات الحالية استثنائية ولا تصح مقارنتها بأي مرحلة سابقة.
ومن ثم، فإن المواطن الذي لديه ملاحظة أو مخالفة قابلة للتقنين يجد نفسه أمام نافذة زمنية محدودة لا بد من استغلالها، إما بإنهاء الملف بالكامل والاستفادة من الخصومات والتقسيط، وإما ترك الفرصة لتمرّ معه إلى مرحلة قد تعود فيها المعالجات أكثر تشدداً وتكلفة.

التعليقات