التخطي إلى المحتوى

تصريحات تكشف كواليس أخطر ملف مائي في تاريخ مصر المعاصر

في تصريحات تفصيلية أثارت تفاعلاً واسعاً على الساحة السياسية والإعلامية، سلّط الدكتور محمد عبد العاطي، وزير الموارد المائية والري السابق، الضوء على الكواليس الكاملة لواحد من أكثر الملفات حساسية في الذاكرة الوطنية المعاصرة، وهو ملف سد النهضة الإثيوبي، مؤكداً أن الدولة المصرية خاضت معركة تفاوضية استثنائية اتسمت بأقصى درجات ضبط النفس والحكمة الاستراتيجية.

14 عاماً من الدبلوماسية الشاقة والصبر الاستراتيجي

أوضح الوزير السابق أن الدولة المصرية تحلت بإرادة حديدية وصبر استراتيجي غير مسبوق امتد طوال أربعة عشر عاماً كاملة من المباحثات والمفاوضات الشاقة، بدأت منذ عام 2011 مع انطلاق عمليات البناء الأولى للسد، ومروراً بجولات طويلة من المفاوضات الثلاثية التي جمعت مصر والسودان وإثيوبيا.

وأشار عبد العاطي إلى أن هذا النفس الطويل لم يأتِ من فراغ، بل انطلق من قناعة راسخة بأن مصر هي دولة سلام تسعى دائماً للبناء والاستقرار والتنمية المشتركة دون الإضرار بحقوق شعبها التاريخية في مياه النيل.

محطات بارزة في مسار التفاوض

مرّ الملف بعدة محطات مفصلية، من بينها اتفاقيات إعلان المبادئ الموقّعة في الخرطوم عام 2015، والتي أقرّت مبدأ عدم الإضرار بالمنشآت المائية وحسن النوايا، إضافة إلى جولات وساطة إقليمية ودولية قادتها أطراف عربية ودولية، فضلاً عن محاولات متعددة لتفعيل مسار مجلس الأمن الدولي.

ثوابت الدولة المصرية في حماية الأمن المائي

أضاف عبد العاطي أن المسار التفاوضي المصري اعتمد طوال تلك السنوات على الحلول السلمية والدبلوماسية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الخطوط الحمراء المتعلقة بحصة مصر المائية وأمنها القومي، لافتاً إلى أن مصر تمتلك نحو 55.5 مليار متر مكعب من حصتها السنوية من مياه النيل، وهي تعتمد عليها في أكثر من 97% من احتياجاتها المائية، ما يجعل هذا الملف مسألة وجود لا يقبل المساومة.

وتؤكد هذه التصريحات مجدداً على نهج الدولة الثابت في التعامل مع التحديات الإقليمية بحكمة بالغة، جامعةً بين قوة الموقف وصلابة الحق من جهة، والالتزام بالشرعية الدولية وقواعد حسن الجوار من جهة أخرى.

دلالات الموقف المصري وأبعاده الاستراتيجية

يُقرأ الموقف المصري على أنه نموذج دبلوماسي يجمع بين مرونة الأدوات وثبات الأهداف؛ فمن ناحية، لم تغلق مصر باب التفاوض أو الحوار، ومن ناحية أخرى، لم تتخلَّ عن أي من حقوقها التاريخية أو القانونية.

ويتسق هذا النهج مع مبادئ القانون الدولي التي تحظر الإضرار الجوهري بحقوق دول المصب، والتي تجد جذورها في اتفاقيات نهر النيل التاريخية وقواعد الاستخدام المنصف والمعقول للمجاري المائية الدولية.

ويرى مراقبون أن استمرار هذا المسار المتوازن يعكس إدراكاً عميقاً لطبيعة التوازنات الإقليمية، وحرصاً على أمن واستقرار منطقة حوض النيل بأكملها، بما يجعل الحل التفاوضي العادل والشامل هو الطريق الوحيد القادر على تحقيق التنمية المشتركة لجميع شعوب المنطقة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *