في حفل توقيع روايته «أنسجة الفوضى»، كشف الكاتب والباحث المغربي إدريس الكسيكس عن تفاصيل تجربة إبداعية امتدت بين لغتين وفنين، متوقفاً عند دوافعه للكتابة بالفرنسية، وتحولات النص بعد ترجمته إلى العربية، وعلاقته الوثيقة بالمسرح وأثره في تشكيل بنية الرواية.
من الفرنسية إلى العربية: رحلة عام كامل
أوضح الكسيكس أن الرواية صدرت أولاً بالفرنسية عام 2023، قبل أن تظهر بنسختها العربية بترجمة الكاتب والشاعر محمد أحمددان، وهي ترجمة استغرقت عاماً كاملاً من الحوار المتواصل بين المترجم والمؤلف، بمشاركة الأستاذ أحمد بوحسن، أستاذ الأدب المقارن، الذي أسهم في بلوغ الصيغة العربية النهائية.
لماذا الكتابة بالفرنسية؟
قال الكسيكس إن سؤالاً أساسياً رافقه طوال التجربة: لماذا كتب الرواية بالفرنسية؟ وفسّر ذلك بأن علاقته بالكتابة ظلت مرتبطة بالقراءة منذ عقود، مستحضراً تجربة الكاتب الأمريكي توماس بينشون، الذي كان موضوع أول بحث أدبي أنجزه قبل نحو 35 عاماً، مؤكداً أن الكتابة لا تنفصل عن القراءة.
«رواية المدينة»: بحث عن شكل يعبّر عن التعقيد
أشار الكسيكس إلى أن اهتمامه القديم انصب على ما يُعرف بـ«رواية المدينة»، وهي ليست رواية عن المدينة بمعناها المباشر، بل محاولة للعثور على الشكل والجمالية القادرين على التعبير عن تعقيد المدينة وتشابك طبقاتها الاجتماعية والإنسانية.
ثلاثة أحداث شخصية فتحت باب الرواية
كشف الكاتب أن ثلاثة أحداث من حياته الشخصية مهّدت الطريق أمامه لكتابة الرواية، مع تأكيده أنه لا يكتب عن ذاته بشكل مباشر.
واستعاد ذكريات دراسته في الدار البيضاء وتأثره بأحد أساتذته في المرحلة الثانوية، واختفاء مدرسة ابتدائية درس فيها وتحول موقعها إلى بناية جديدة، وتجربة تهجير سكان منطقة قديمة في القنيطرة لإقامة شارع جديد ونقلهم إلى حي بعيد عن فضائهم الأصلي.
وأكد أن هذه الوقائع الثلاث شكلت عناصر استلهم منها بعض مكونات الرواية، لكنه فضّل عدم الكشف عن كيفية توظيفها، معتبراً ذلك جزءاً من «كواليس الكتابة» التي يترك للقارئ مهمة اكتشافها.
الترجمة: حين يصبح النص العربي أقرب إلى القلب
عبّر الكسيكس عن سعادته باقتراح صديقه محمد أحمددان ترجمة العمل، مشيداً بالتزامه وطريقة تعامله مع النص.
وكشف عن إحساس وصفه بالغريب بعد صدور النسخة العربية، إذ شعر بأن النص المترجم أصبح أقرب إليه من النص الأصلي الذي كتبه بالفرنسية.
وربط هذا الإحساس باحتمالات متعددة، من بينها الذاكرة وذاكرة المكان والزمان، واستعادة الحياة المادية من خلال الخيال، معتبراً أن قرب النص العربي منه يمثل دليلاً على قوة الترجمة وبلاغتها.
المسرح والرواية: بين «الطريق المعبّدة» واحتمالات التيه
في حديثه عن العلاقة بين الرواية والمسرح، استحضر الكسيكس تأثره الكبير بتجربة الكاتب المسرحي صامويل بيكيت، مشيراً إلى علاقته بالروائي الإيرلندي جيمس جويس، وإلى الاختلاف بين الامتلاء في كتابة جويس والاقتضاب في تجربة بيكيت.
وقال إن هذا التباين ظل حاضراً في تفكيره، متسائلاً عن إمكانية بناء رواية تجمع بين الامتلاء والاقتضاب في الوقت نفسه، وهو ما اعتبره أحد الإشكالات التي واجهته في تجربته الروائية.
وأضاف أن المسرح يبدو له أشبه بـ«طريق معبّدة»، لما يوفره من إشارات وحوار وبنية جاهزة تساعد الكاتب على التحرك داخل النص، بينما تظل الرواية أكثر اتساعاً، بما تحمله من احتمالات قد تقود الكاتب إلى «التيه» وفقدان المعنى أو انتباه القارئ.
وأكد الكسيكس أن الخوف من التيه كان من أبرز التحديات التي واجهته في الانتقال إلى الرواية، خصوصاً في البحث عن طريقة تحافظ على الامتلاء دون أن يفقد النص تركيزه، وهي الإشكالية التي شكلت أحد المفاتيح الفنية في بناء «أنسجة الفوضى».

التعليقات