ترامب يعيد فتح ملف سد النهضة من واشنطن
أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أزمة سد النهضة الإثيوبي إلى صدارة المشهد السياسي والدبلوماسي، بعد سلسلة تصريحات مباشرة حملت نبرة غير مألوفة تجاه سياسات أديس أبابا، وأعرب فيها عن قلقه البالغ من تداعيات الأزمة على دول المصم، وفي مقدمتها مصر والسودان اللتان تواجهان تحديات وجودية غير مسبوقة.
وقد جاءت هذه التصريحات لتمنح الملف زخماً دولياً جديداً، خاصة مع إعلان ترامب رغبته في العمل على حل الأزمة ووساطة تجمع القاهرة وأديس أبابا، وهو ما اعتبرته دوائر سياسية تحولاً في الأولويات الأمريكية تجاه الملف المائي، بعد سنوات من الجمود التفاوضي.
ترامب: إثيوبيا تعاملت بطريقة غير منصفة
في ظهوره الأخير وتناوله المستمر لقضية السد المقام على النيل الأزرق، أشار ترامب صراحة إلى خطورة الوضع المائي الراهن، مؤكدا أن الإجراءات التي تفرضها أديس أبابا بشكل أحادي تهدد الأمن المائي لملايين المواطنين في مصر والسودان، وتعرضهم لخطر العطش والجفاف.
وذهب الرئيس الأمريكي إلى القول إن “إثيوبيا تعاملت مع مصر بشكل غير منصف”، مشيراً إلى أن بلاده “عملت على ملف مصر مع جارتها المجاورة، وهي دولة كانت جارة جيدة وصديقة لنا، لكنها قامت ببناء سد أغلق تدفق المياه”.
كما أكد أن “موضوع السد تحول إلى قضية خطيرة جداً وسنرى ما إذا كان بإمكاننا إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح”.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أشار ترامب إلى أن واشنطن تقدم دعماً للقاهرة في هذا الملف، وألمح إلى استغرابه من عدم حل المشكلة قبل بدء عمليات البناء، في إشارة ضمنية إلى إخفاقات الدبلوماسية الدولية السابقة.
رسائل أمريكية إلى السيسي وبن سلمان وبن زايد
تجاوزت تصريحات ترامب حدود الظهور الإعلامي، لتصل عبر رسائل رسمية موجهة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ورئيس الإمارات محمد بن زايد، عبّر فيها عن قناعته بأن “نهر النيل يمثل شريان حياة لشعب مصر”، مؤكداً رغبته في مساعدتهم على تحقيق نتيجة تضمن تلبية الاحتياجات المائية دون الإضرار بمصالح الأطراف الأخرى.
هذه الخطوة دفعت المراقبين إلى الحديث عن احتمال عودة واشنطن للعب دور الوسيط بين مصر وإثيوبيا، وهو الدور الذي كانت قد لعبته سابقاً في عهد إدارة ترامب الأولى لكنه لم يثمر اتفاقاً ملزماً، بعد انسحاب واشنطن من الرعاية الأمريكية للمفاوضات في مرحلة سابقة.
3 عقبات تعرقل إحياء المفاوضات
على الرغم من الزخم الذي أحدثته التصريحات الأمريكية، تواجه أي وساطة جديدة ثلاثة عقبات رئيسية:
- التوترات الداخلية في إثيوبيا، وما يرتبط بها من حاجة أديس أبابا لتوظيف ملف السد في تثبيت الشرعية الداخلية.
- التصعيد المتصاعد في الخطاب بين القاهرة وأديس أبابا، وهو ما يقلص مساحة المرونة التفاوضية لدى الطرفين.
- تراجع أولوية قضايا المياه على الأجندة الدولية، في ظل انشغال القوى الكبرى بملفات الصراعات والاقتصاد.
تداعيات السياسات الإثيوبية الأحادية على دول المصب
تأتي هذه التصريحات في وقت تتابع فيه الدوائر الرسمية والشعبية في الشارع المصري بحذر شديد تطورات مشروع السد الإثيوبي وتأثيراته المحتملة على حصة مصر التاريخية من مياه النيل.
وتؤكد الحكومة المصرية دائماً على ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يضمن حقوق الجميع وينظم قواعد ملء وتشغيل السد، بما يحقق مصالح إثيوبيا التنموية دون الإضرار بالأمن المائي لمصر والسودان.
وتشير الدراسات الفنية الدولية إلى أن السد، رغم ضخامته التي تضع خزانه ضمن أكبر الخزانات في القارة الإفريقية، فإنه لا يُعد الأكبر على مستوى القارة، إذ تسبقه منظومات تخزين في مصر وغانا وحوضي النيل والزامبيزي.
كما تثير أزمة السد مخاوف إضافية مرتبطة بفترات الجفاف الممتدة، حيث يؤدي غياب التنسيق في إطلاق المياه إلى تعميق الفجوة المائية قبل مواسم الأمطار.
قلق مصري من سدود إثيوبية جديدة
يتصاعد القلق المصري من مؤشرات حديثة بشأن نية أديس أبابا إنشاء سدود جديدة خلف سد النهضة، وهو ما يعتبره خبراء الموارد المائية تحويلاً للسد إلى “محبس حقيقي للمياه” يُستخدم كورقة ضغط استراتيجية، ويعيد إلى الذاكرة سيناريوهات التأثير المباشر على التدفقات الواردة إلى مصر والسودان.
وفي مواجهة هذا المشهد، كثّفت مصر تحركاتها الدبلوماسية عبر مسارات متعددة، من بينها استضافتها قمة رباعية تشاورية في مدينة العلمين ضمت رؤساء مصر وإريتريا والسودان والصومال، لبحث تطورات الوضع في القرن الإفريقي وملف مياه النيل، في خطوة تعكس محاولة بناء تحالف إقليمي فاعل حول الأزمة.
الموقف القانوني والدولي
يستند الموقف المصري والسوداني إلى مبدأ عدم الإضرار بالدول الأخرى في المنشآت المائية العابرة للحدود، وهو مبدأ راسخ في القانون الدولي للمياه واتفاقيات الأنهار الدولية.
ويطالب الطرفان بتنفيذ اتفاقيات ملء وتشغيل السد التي جرى التوافق عليها في مراحل سابقة كأساس لأي حل، مع الحفاظ على استمرارية انعقاد مفاوضات القاهرة وأديس أبابا والخرطوم بهدف الوصول إلى اتفاق شامل.

التعليقات