عام كامل من الخذلان… غزة بين وعود الهدنة وواقع الحرب المستمرة
مضى عام كامل منذ ذلك اليوم الذي انتظر فيه العالم بأسره أن تضع اتفاقية وقف إطلاق النار، التي رعتها الولايات المتحدة الأمريكية، حداً نهائياً للمأساة الإنسانية في قطاع غزة.
غير أن ما جرى على الأرض جاء مخالفاً لكل التوقعات، إذ لا تزال الآلة العسكرية الإسرائيلية تواصل حصد أرواح المدنيين وتشن قصفاً شبه يومي على مختلف أنحاء القطاع، مخلفةً وراءها دماراً هائلاً ومشاهد مأساوية تفطر القلوب وتتحدى كل معايير الإنسانية والقانون الدولي.
لم يكن هذا العام مرحلة انتقالية نحو السلام كما كان يُفترض، بل تحول إلى فصل جديد من المعاناة، تتكرر فيه أجواء الرعب والتهجير والنزوح الجماعي، مع استمرار الغارات الجوية والمدفعية التي تدمج بين البنية التحتية والمنازل السكنية والمرافق الحيوية في مشهد واحد من الخراب الشامل.
أرقام مفزعة… ضحايا يتجاوزون 47 ألف شهيد
كشفت وزارة الصحة الفلسطينية في أحدث إحصائياتها الرسمية أن حصيلة الضحايا جراء الهجمات المتواصلة قد تجاوزت 47 ألف شهيد في هذا القطاع الساحلي المحاصر، فيما تجاوز عدد الجرحى والمصابين حاجز المئة ألف، غالبيتهم من النساء والأطفال وكبار السن.
وتشير المعطيات إلى أن هذه الأرقام مرشحة للارتفاع بشكل كبير خلال الأيام المقبلة، في ظل صعوبة وصول طواقم الإنقاذ والإسعاف إلى العديد من المناطق المستهدفة، واستمرار العمليات العسكرية الضارية التي تعرقل أي محاولة لانتشال الجرحى أو إحصاء الضحايا بدقة.
ويؤكد مراقبون أن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى بكثير من تلك المُعلنة، لأن آلاف الجثامين لا تزال تحت الأنقاض أو في مناطق يصعب الوصول إليها، ما يجعل الإحصاء الرسمي تقديرياً في أفضل الأحوال.
صرخات تحت الركام… أين جثامين أحبائنا؟
تتجدد المأساة يوماً بعد يوم مع تساؤلات العائلات المفجوعة عن مصير ذويهم المفقودين، حيث لا تزال رفات مئات الضحايا عالقة تحت ركام المنازل المدمرة التي تحولت إلى مقابر جماعية صامتة.
ويعيش أهالي المفقودين حالة من العذاب المزدوج: فلا هم قادرون على دفن أحبائهم دفناً يليق بهم، ولا هم قادرون على تجاوز صدمة الفقد.
وتعاني فرق الإغاثة والدفاع المدني من نقص حاد في المعدات والآليات الثقيلة اللازمة لرفع الأنقاض والبحث عن المفقودين، بينما تفتقر أيضاً إلى الوقود والأدوات المتخصصة للتعامل مع الأبنية المنهارة متعددة الطوابق.
ويضاعف هذا النقص من معاناة الأهالي الذين يمنّون أنفسهم بوداعٍ أخير يليق بأحبائهم، في ظل غياب أي أفق قريب لانتشال الجثامين المتبقية.
جهود دولية معطلة… دبلوماسية بلا نتائج
تأتي هذه التطورات الميدانية المؤلمة وسط تعثر الجهود الدبلوماسية الرامية لفرض التهدئة وإدخال المساعدات الإنسانية والطبية العاجلة.
فبينما تتواصل الجولات التفاوضية والمبادرات الدولية، يبقى الواقع الميداني بعيداً كل البعد عن أي تقدم ملموس، مع استمرار إغلاق المعابر وتعقيد آلية إدخال المساعدات، الأمر الذي فاقم من حجم الكارثة وأدى إلى انهيار شبه كامل للقطاع الصحي.
ويحذر العاملون في المجال الإنساني من أن النظام الصحي في غزة أصبح عاجزاً تماماً عن تقديم الحد الأدنى من الرعاية، بعد خروج عشرات المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة نتيجة استهدافها ونفاد الأدوية والمستلزمات الطبية وانقطاع الكهرباء والوقود.
وضع إنساني كارثي… خيام مهترئة وشتاء قارس
يعيش مئات الآلاف من سكان القطاع في خيام مهترئة وسط ظروف مناخية قاسية، مع انعدام أبسط مقومات الحياة الأساسية من مياه نقية وغذاء ودواء وملابس ومأوى آمن.
وقد تسببت الأمطار والرياح في غرق آلاف الخيام وانهيارها، مما دفع العائلات إلى النزوح المتكرر بحثاً عن أي ملجأ مأوى.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 80% من سكان غزة باتوا نازحين، وأن الأزمة الغذائية وصلت إلى مستويات غير مسبوقة مع انتشار واسع لسوء التغذية والأمراض المعدية بين الأطفال والنساء، في ظل حصار مطبق وقدرة محدودة للغاية للمنظمات الإنسانية على الوصول إلى المحتاجين.
نداءات عاجلة… العالم مدعو للتحرك الآن
في خضم كل هذه المعاناة، تتصاعد النداءات الاممية والدولية والمحلية بضرورة التدخل الفوري والعاجل لوقف نزيف الأرواح، وفتح المعابر أمام المساعدات الإنسانية والطبية دون قيود، وتمكين فرق الإغاثة من أداء مهامها الإنسانية.
فما يجري في غزة ليس أزمة يمكن تأجيل حلها، بل كارثة إنسانية شاملة تنذر بأن تكون أعمق وأشمل إن لم يتحرك العالم بجدية وعاجلية.
ويبقى السؤال الأهم عالقاً على ألسنة الجميع: إلى متى سيستمر هذا الصمت الدولي، وكيف سيتذكر التاريخ كل من وقف موقف المتفرج أمام مأساة بهذا الحجم؟

التعليقات