التخطي إلى المحتوى

في اكتشاف علمي غير مسبوق قد يعيد كتابة الفصول الأولى من تاريخ النظام الشمسي، أعلن فريق دولي من الباحثين عن رصد هيكل بركاني ضخم مدفون تحت سطح القمر، ويقع تحديداً في الجانب البعيد الذي لا يُرى من الأرض.

ويُقدَّر عمر هذا التكوين الجيولوجي بنحو 4.2 مليارات سنة، ما يجعله من أقدم المعالم البركانية المعروفة حتى الآن، ويمنح العلماء نافذة نادرة على النشاط الحراري الذي شكّل القمر في مراحله الأولى.

ما الذي يجعل هذا الاكتشاف استثنائياً؟

يقع الجانب البعيد من القمر، المعروف أيضاً بالجانب المظلم، في منطقة يصعب رصدها مباشرة من الأرض بسبب التزامن المدّي الذي يجعل القمر يواجه كوكبنا بالوجه نفسه دائماً.

هذا العزلة الطبيعية جعلت تضاريسه أقل تأثراً بالعوامل التي غيّرت الوجه القريب، وحافظت على سجلات جيولوجية قديمة بقيت شبه سليمة.

والبركان المكتشف، بحسب ما ورد في الدراسات، ليس فوهة سطحية ظاهرة، بل مجمع بركاني كامل مطمور تحت طبقات من الغبار والتربة القمرية، ويعتقد أنه تشكّل خلال حقبة تاريخية بالغة القدم تتزامن مع المراحل المبكرة لتشكّل القشرة القمرية.

كيف تمكّن العلماء من رصد بركان مخفي؟

لم يكن الوصول إلى هذا التكوين ممكناً بالطرق التقليدية، إذ استعان الفريق بمزيج من أدوات الاستشعار عن بُعد والبيانات الرادارية التي تخترق السطح، إضافة إلى قياسات الجاذبية والبيانات الطيفية التي كشفت عن اختلافات في كثافة المواد تحت السطحية.

وقد دلّت هذه القراءات على وجود تجاويف وتركيبات من الصهارة المتصلبة، وهي علامات نموذجية على وجود غرف صهارية قديمة بردت وتصلبت مع مرور الزمن.

هذه المنهجية متعددة الطبقات هي ما مكّن العلماء من “رؤية” ما يعجز عنه البصر، وتحويل بيانات غير مرئية إلى خريطة تحت سطحية للتكوين.

لماذا يهم هذا الاكتشاف علمياً؟

تكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأنها تسدّ ثغرة في فهم تاريخ القمر الحراري.

فقد كان يُعتقد على نطاق واسع أن النشاط البركاني على القمر تراجع بشكل كبير بعد مليار سنة من تشكّله، لكن الأدلة الجديدة تشير إلى أن النشاط استمر لفترات أطول وفي مناطق لم تكن متوقعة، ما يطرح أسئلة جديدة حول مصادر الحرارة الداخلية التي أبقت القمر نشطاً.

كما أن تحديد عمر التكوين بدقة يوفّر مرجعاً زمنياً يمكن مقارنته بتكوينات مشابهة على الأرض والمريخ وعطارد، مما يعزز الفهم المقارن لتطور الكواكب الداخلية في النظام الشمسي.

ماذا بعد؟ آفاق البحث المستقبلي

يرى الخبراء أن هذا الاكتشاف قد يفتح الباب أمام جيل جديد من البعثات القمرية المتخصصة في دراسة البنية الداخلية للقمر، لا سيما تلك التي تعتمد على الرادار المخترق للتربة وأجهزة قياس الزلازل.

وتطمح هذه البعثات إلى استكشاف الطبقات العميقة، وتحديد حجم المجمع البركاني وتكوينه، وربما جمع عينات من مادة تحت سطحية تكشف عن تركيبة الوشاح القمري.

وفي حال تأكدت هذه المعطيات، فإنها قد تُغيّر النماذج الحالية لتاريخ القمر الحراري، وتقدم أدلة إضافية حول إمكانية وجود موارد معدنية أو مائية محتجزة في الطبقات العميقة، وهي معلومات ذات قيمة استراتيجية لأي خطط لاستيطان بشري مستقبلي.

خلاصة

يمثل هذا البركان المدفون في الجانب البعيد من القمر أكثر من مجرد اكتشاف مثير؛ إنه مفتاح لفهم كيف نضج القمر جيولوجياً، وكيف تفاعلت حرارته الداخلية مع سطحه الصلب.

وبينما يواصل الباحثون تفكيك البيانات، فإن ما يبدو اليوم مفاجأة علمية قد يصبح غداً أساساً لمرحلة جديدة كاملة من استكشاف القمر وفهم تاريخ النظام الشمسي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *