شاركت مندوبية دولة فلسطين لدى جامعة الدول العربية، برئاسة السفير مهند العكلوك، المندوب الدائم لفلسطين لدى الجامعة العربية، في أعمال الدورة غير العادية لمجلس الجامعة على مستوى المندوبين الدائمين، والتي عُقدت يوم الثلاثاء في مقر الأمانة العامة للجامعة العربية بالقاهرة، برئاسة الجمهورية التونسية، وذلك بناءً على طلب دولة فلسطين ودعم الدول الأعضاء، لبحث سبل توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، وضمان احترام القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية المرتبطة بالوضع القانوني لمدينة القدس.
وحضر الاجتماع إلى جانب السفير العكلوك كلٌّ من: سكرتير ثالث ماهر أسامة مسعود، وسكرتير ثالث علا الجعب، وسكرتير ثالث علاء الشرباتي، والدكتور فادي كساب.
نص كلمة المندوب الدائم لدولة فلسطين
بسم الله الرحمن الرحيم
السيد الرئيس، السيد الأمين العام المساعد، أصحاب السعادة السفراء المندوبين الدائمين ووفود الدول الأعضاء، السيدات والسادة الحضور، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نُقدّر عالياً تجاوبكم ودعمكم المعهود لطلب دولة فلسطين عقد هذه الدورة غير العادية لمجلس الجامعة على مستوى المندوبين الدائمين، لمناقشة آليات توفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني في مواجهة جرائم العدوان والإبادة الجماعية والتطهير العرقي والفصل العنصري التي تمارسها “إسرائيل”، والتي جعلت حياة أبناء الشعب الفلسطيني جحيماً لا يُطاق على أرضهم، وفي بيوتهم ومزارعهم ومساجدهم وكنائسهم، بل حتى في مدارسهم ومستشفياتهم.
فالمشاهد التي تتوارد كل يوم من قطاع غزة، حيث تستمر الإبادة الجماعية بكل عناصرها وأدواتها، أو من الضفة الغربية المحتلة بما فيها القدس، حيث ترتكب إسرائيل وجيشها العدواني وعصاباتها الإرهابية الجرائم والانتهاكات ضد الأطفال والنساء وكبار السن، ضد البشر والشجر والحجر، بل حتى ضد الحيوانات؛ هذه المشاهد المؤلمة جعلت شعوب العالم تدرك حقيقة إسرائيل العارية، وأنها لا تعبأ بالقانون الدولي ولا بحقوق الإنسان ولا بميثاق الأمم المتحدة ولا بالأخلاق والقيم الإنسانية.
حتى الذين ضللتهم أو أرهبتهم إسرائيل بافتراءات معاداة السامية، استفاقوا اليوم وأدركوا أن الوقوف ضد الإبادة الجماعية، وضد جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي تمارسها إسرائيل، لا يعني أبداً معاداة السامية أو كراهية اليهود، بل إن كثيراً من اليهود حول العالم سئموا العبء الذي أثقلتهم به إسرائيل من فداحة جرائمها، وتضامن الكثير منهم مع الشعب الفلسطيني. “إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد”.
ورغم أن التضامن والتعاطف العالمي مع القضية الفلسطينية بلغ حدوداً غير مسبوقة، إلا أنه لم يصل حتى الآن إلى مرحلة توقف الجرائم الإسرائيلية وتنهي الاحتلال.
وحتى بعد أن وجّه العالم الرسالة تلو الأخرى لإسرائيل بأنها على ضلال مبين، إلا أنها لا تريد أن تهتدي إلى طريق الحق، بعد أن استمرأت وامتهنت طريق الجريمة والباطل على مدار 80 عاماً، استغلت خلالها المعايير المزدوجة، وتمتعت بالدلال والحصانة، على أساس أنها الضحية الكبرى وواحة الديمقراطية في الشرق الأوسط.
لكننا بدأنا نرى النور في آخر النفق، رأيناه يأتي من شعوب العالم في أفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا، ورأيناه من إسبانيا وإيرلندا والنرويج، حتى إننا بدأنا نراه من دول استعمارية سابقة مثل فرنسا وبريطانيا؛ بريطانيا التي أعطت وعد بلفور المشؤوم أدركت أن أطماع إسرائيل وجرائمها باتت خارج السيطرة، وهي تحاول لجمها بالتصريحات وبعض العقوبات، ولكن إسرائيل الابنة العاقة، بدل أن تعدّل مسارها، أغلقت القنصلية البريطانية العامة في مدينة القدس، هذه القنصلية التي تأسست منذ 200 سنة، أي قبل وجود إسرائيل بـ122 سنة.
رسالتنا اليوم إلى العالم: علينا فرض العقوبات والمقاطعة وقول الحقيقة في وجه إسرائيل حتى توقف جرائمها وتنهي احتلالها غير القانوني، وعلينا مواصلة الجهود لتجريم الاستيطان الاستعماري، وإدراج عصابات المستوطنين الإرهابية على قوائم الإرهاب الوطنية والإقليمية والدولية، والاستمرار في نبذ هذه العقلية المتطرفة التي أصبحت متجذرة في المجتمع الإسرائيلي، سواء مع المجرم الهارب من العدالة نتنياهو أو من دونه.
فذهاب نتنياهو إلى السجون الدولية أو إلى مزبلة التاريخ اليوم أو غداً لا يعني أن إسرائيل عادت إلى الحظيرة الدولية، لكن الذي يضمن وقف عدوانه هو مزيد من العقوبات وليس مزيداً من الإدانات، فهكذا هُزم نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وأصبحت جنوب أفريقيا دولة منارة للحرية حول العالم.
كل ما تقوم به إسرائيل اليوم من مخططات وجرائم تزداد وطأتها يوماً بعد يوم، الهدف منه هو “الحسم” الذي وضعه الإرهابي سموتريتش، المُسمى وزيراً للمالية في حكومة الاحتلال، في خطته عام 2017، والتي أصبحت برنامجاً لحكومة الاحتلال: أمام الفلسطيني ثلاثة خيارات، إما أن يُقتل أو يُهجَّر أو أن يعمل خادماً مدنياً لدى “شعب الله المختار”.
نحن الفلسطينيون أكثر من أن نُقتل جميعاً، لذلك سعوا نحو التهجير القسري سواء في غزة أو الضفة الغربية، ولكننا أيضاً سنكون أكثر وأكبر من أن نُهجَّر.
أنشأت إسرائيل ما يقارب ألفاً من الحواجز العسكرية والبوابات والسواتر الترابية والمكعبات الإسمنتية، لتحوّل الضفة الغربية إلى أرخبيل من الجزر المفصولة بعضها عن بعض، وتتحكم في حركة ثلاثة ملايين ونصف مليون مواطن فلسطيني نحو حياتهم ومدارسهم ومزارعهم وعائلاتهم، وتقوّضها، وتجعل من تنقلهم معاناة يومية قاسية ومريرة.
و825 ألف مستوطن إسرائيلي يستعمرون الضفة الغربية المحتلة، في 200 مستعمرة وأكثر من 350 بؤرة استعمارية، أصبحت معاقل لانطلاق ميليشيات وعصابات إرهابية سلحتها ورعتها وحمتها حكومة الاحتلال، ثم أطلقتها قطعاناً لتحرق وتقتل وتخرّب وتقتلع وترهب كل من هو وكل ما هو فلسطيني في الضفة الغربية المحتلة، والهدف هو دفع المواطن الفلسطيني لترك منزله وحقله وبلدته.
وترتكب عصابات المستوطنين إرهابها واعتداءاتها على المواطنين الفلسطينيين، في أغلب الأحيان، بحضور وتحت حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي، وفي كثير من الحالات يشارك الطرفان في هذا الإرهاب المنظم، ويُمنع الفلسطيني من ممارسة حقه في الدفاع عن نفسه وعائلته وممتلكاته، وإلا سيُعتبر إرهابياً ويُقتل أو يُسجن.
وقد وثّقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية تنفيذ عصابات المستوطنين الإرهابية، منذ مطلع العام 2026، أكثر من 5500 اعتداء أسفرت عن استشهاد 30 فلسطينياً.
قبل أيام ركب الإرهابي بن غفير، المُسمى وزيراً لأمن الاحتلال، جرافة إسرائيلية وساهم في هدم بنايات بحي الطور في القدس المحتلة؛ هكذا يخوض هذا المأفون حملته الانتخابية من فوق جرافة دمّرت حياة أكثر من 70 فلسطينياً كانوا يسكنون في تلك البنايات وأصبحوا بلا مأوى.
فالمعادلة هي أنه كلما زاد بن غفير إرهاباً وتطرفاً زاد عدد أصواته في المجتمع الإسرائيلي.
لكن المشهد يتعدى الحملة الانتخابية إلى سياسة هدم ممنهجة تهدد الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية بما فيها القدس.
وقد وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) هدم 86 مبنى في الفترة ما بين 15 و21 سبتمبر في الضفة الغربية بما فيها القدس.
يُهدم هذا العدد من المباني في أقل من أسبوع، وحملة الهدم مستمرة منذ سنوات.
شهر تشرين الأول/أكتوبر الجاري هو موسم قطاف الزيتون في فلسطين، وهو موسم زراعي وثقافي واقتصادي ووطني، يرتبط في الفلاح الفلسطيني وعائلته مع الأرض والزيتون، ولكن عصابات المستوطنين وجنود الاحتلال تأبى إلا أن تخرب حياة الفلسطيني، وأن تدس سمها أيضاً في موسم الزيتون، حيث تصاعدت اعتداءات المستوطنين الإرهابيين وجيش الاحتلال التي تهدف إلى منع الفلسطينيين من جني ثمار الزيتون، وتطال الاعتداءات المواطنين وأشجارهم، بما في ذلك حرقها وتكسيرها وتجريفها، ويُمنع الفلاحون من جني الزيتون، ويتعرضون للضرب والاعتقال والتنكيل ولسرقة محصولهم وموسمهم الذي ينتظرونه ويعتاشون عليه.
وما زال المستعمرون الأغراب يعتبرون شجرة الزيتون عدواً لهم.
وحسب البيانات الرسمية لوزارة الزراعة الفلسطينية، تضررت منذ بداية العام وحتى نهاية شهر سبتمبر أكثر من 98293 ألف شجرة، وتُقدَّر الخسائر الناجمة عن إتلاف محصول الزيتون بنحو 157 مليون دولار خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بين عامي 2023 و2026.
وإننا من هذا المنبر نطالب المجتمع الدولي، بما فيه الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وفتاوى محكمة العدل الدولية واتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين وقت الحرب وتحت الاحتلال.
أصحاب السعادة، نتوقع أن تقدم كولومبيا غداً الأربعاء 14/10/2026 على افتتاح سفارة لها في مدينة القدس، في خطوة غير قانونية تشكل انتهاكاً للمكانة القانونية الدولية لمدينة القدس، التي كفلها القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقدس، بما فيها قراري مجلس الأمن 476 و478 لعام 1980 وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة في هذا الشأن.
وما كانت كولومبيا، التي تحوّلت سريعاً مع رئيسها الجديد من الجانب الصحيح إلى الجانب الخطأ من التاريخ، لتقدم على هذه الخطوة التي تتعدى انتهاك القانون الدولي لتمس بمشاعر ومصالح العرب والمسلمين حول العالم، ما كانت لتتجرأ لو أننا تصرفنا وفق قرارات القمم العربية بمواقف حاسمة على المستويات السياسية والاقتصادية والقانونية، مع من سبقها في هذا النهج غير القانوني، من الولايات المتحدة الأمريكية إلى غواتيمالا إلى هندوراس إلى بابوا غينيا الجديدة إلى ناورو.
وإن كولومبيا، وبكل أسف، قد لا تكون الدولة الأخيرة التي تتعدى على القانون الدولي ومصالحنا في القدس، إذا لم نقف موقفاً يترافق فيه القول مع الفعل في رفض هذه الخطوة الكولومبية والتصدي لها، ونحن نرى الأرجنتين تدور في نفس الدائرة.
وإننا من هنا ندعو أنفسنا، نحن الدول العربية، لتنفيذ قرارات القمم العربية بشأن الدول التي تنقل سفاراتها إلى القدس، وقد أكدت الدول العربية عزمها على اتخاذ إجراءات سياسية ودبلوماسية واقتصادية وقانونية رادعة، لوقف انتقال هذه العدوى المرضية المخالفة للقانون الدولي.
وفي الختام، سنواصل العمل مع الشعوب والدول المحبة للسلام والمتمسكة بالقانون الدولي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وإزالة آثاره، ورفع الظلم عن شعبنا، وسنعمل بكل طاقاتنا لملاحقة إسرائيل على سجل جرائمها الطويل بحق شعبنا، وسيأتي يوم الحساب عاجلاً أم آجلاً، وإنه قد “اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون”.

التعليقات