التخطي إلى المحتوى

تحت رعاية جامعة سيناء، وبمشاركة نخبة من الخبراء والمتخصصين، انطلقت فعاليات الملتقى الرابع عشر للمجلس العربي للأسرة والتنمية، أحد المجالس المنبثقة عن الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبيئة، وسط اهتمام واسع بقضايا الأسرة العربية وتحدياتها المعاصرة.

وقد شارك في أعمال الملتقى الدكتور أيمن الدهشان، خبير التنمية البشرية والإدارية وعضو مجلس إدارة مجلس الأسرة العربية، حيث قدّم رؤية متكاملة تستهدف حماية الأطفال والمراهقين في ظل التحول الرقمي المتسارع.

التربية الرقمية.

من التحذير إلى التمكين

.

في ظل تزايد الاعتماد العالمي على الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، أكد الدكتور أيمن الدهشان أن المرحلة الراهنة تتطلب نقلة نوعية في مقاربة التكنولوجيا، بالانتقال من مجرد التحذير من مخاطرها إلى بناء منظومة متكاملة للتربية الرقمية.

وتقوم هذه المنظومة على تعليم الأبناء كيفية الاستخدام الصحيح للأجهزة والمنصات الرقمية، وحماية خصوصيتهم، والتحقق من صحة المعلومات، والتعامل الواعي مع التنمر الإلكتروني، ومواجهة المحتوى المضلل والضار.

وشدّد الدهشان على أهمية إدراج مقرر أو مادة للتربية الرقمية ضمن المنظومة التعليمية، بما يتناسب مع المراحل العمرية المختلفة، على أن يشمل مهارات التفكير النقدي، والأمان الرقمي، وإدارة الوقت، والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، والتعامل مع الشائعات والتزييف العميق، إلى جانب تعزيز الوعي بمخاطر الاستخدام المفرط للشاشات وتأثيراته المحتملة على النوم والتركيز والصحة النفسية والعلاقات الاجتماعية.

وأوضح أن التربية الرقمية لا تعني منع الأبناء من التكنولوجيا، وإنما إعدادهم لاستخدامها بوعي ومسؤولية، بحيث يصبحون قادرين على الاستفادة من إمكاناتها دون الوقوع في مخاطرها.

وتُعد هذه الرؤية جزءًا من توجه عالمي متنامٍ، إذ بدأت دول عدة بإدماج مفاهيم المواطنة الرقمية والمهارات المعلوماتية في مناهجها التعليمية، في إطار سعيها لتحصين الأجيال الجديدة أمام التحديات المتلاحقة للفضاء الإلكتروني.

مبادرة «جيل واعٍ.

حياة متوازنة»

.

وفي هذا السياق، طرح الدكتور أيمن الدهشان مقترحًا لإطلاق مبادرة «جيل واعٍ.

حياة متوازنة»، تستهدف تعزيز الوعي الرقمي لدى الأطفال والمراهقين، وتمكين الأسرة من أداء دورها التربوي، وترسيخ ثقافة الاستخدام الآمن والمتوازن للتكنولوجيا.

وتقوم المبادرة المقترحة على مجموعة من المحاور العملية، أبرزها:.

  • التربية الرقمية في المدارس: إعداد محتوى تعليمي متدرج يساعد الطلاب على اكتساب مهارات الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا.
  • الأسرة الواعية رقميًا: تنظيم برامج توعوية لأولياء الأمور حول القدوة الرقمية، والحوار مع الأبناء، وتنظيم أوقات استخدام الأجهزة.
  • الصحة النفسية للمراهقين: تعزيز الكشف المبكر عن مؤشرات القلق والعزلة واضطرابات النوم والاستخدام الإشكالي للشاشات، مع توجيه الحالات التي تحتاج إلى تقييم متخصص.
  • الحماية من المخاطر الإلكترونية: رفع الوعي بالتنمر والابتزاز والاستغلال الرقمي وانتهاك الخصوصية.
  • البدائل الواقعية الجاذبة: تشجيع القراءة والرياضة والفنون والعمل التطوعي والأنشطة الاجتماعية التي تعزز التفاعل الإنساني.
  • الشراكة المؤسسية: تعزيز التعاون بين المؤسسات التعليمية والصحية والثقافية والدينية والإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني، بما يضمن تكامل الجهود وعدم ازدواجيتها.

واقترح الدهشان أن تبدأ المبادرة بمرحلة تجريبية في عدد من المؤسسات التعليمية، يعقبها تقييم علمي لنتائجها، تمهيدًا لتطويرها وتوسيع نطاق تطبيقها وفقًا لمؤشرات أداء واضحة، بالاستناد إلى بيانات ميدانية ودراسات مسحية تقيس مدى التغير في سلوك الأبناء ووعي الأسر قبل التطبيق وبعده.

الصحة النفسية.

مسؤولية مشتركة

.

وأشار الدهشان إلى أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في عدد الساعات التي يقضيها الأبناء أمام الشاشات فقط، بل في طبيعة الاستخدام ومدى تأثيره في حياتهم اليومية.

فالتكنولوجيا يمكن أن تكون أداة مهمة للتعلم والإبداع والتواصل، لكنها قد تتحول إلى مصدر للمشكلات عندما تفقد الأسرة والمؤسسات قدرتها على التوجيه والوقاية.

ويؤكد خبراء الصحة النفسية أن للاستخدام المفرط للشاشات ارتباطًا وثيقًا باضطرابات النوم وتشتت الانتباه وتراجع التحصيل الدراسي، فضلًا عن المشاعر المرتبطة بالعزلة الاجتماعية والمقارنة الدائمة بالآخرين، ما يجعل التوعية المبكرة والتدخل النفسي ضرورة لا رفاهية.

وأضاف الدهشان أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تكامل الأدوار بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات المعنية، مع توفير قنوات واضحة للدعم النفسي والإرشاد الأسري، وتطوير برامج مستدامة للتوعية الرقمية، والاستناد إلى الدراسات والبيانات في تحديد الأولويات وقياس النتائج.

وشدد على أن الاستثمار في وعي الأبناء وصحتهم النفسية يمثل استثمارًا مباشرًا في مستقبل الأسرة والمجتمع، وأن بناء الإنسان الواعي لا يقل أهمية عن تطوير البنية التكنولوجية أو توفير أدوات التعلم الحديثة.

تكريم وتقدير للجهود المؤسسية

وفي إطار الاهتمام بتعزيز دور الأسرة ومناقشة القضايا المجتمعية المعاصرة، تم تكريم الدكتور أيمن الدهشان تقديرًا لجهوده وإسهاماته في مجال التنمية البشرية وخدمة قضايا الأسرة العربية.

وتوجّه الدهشان بالشكر والتقدير إلى الدكتورة آمال إبراهيم، رئيس مجلس الإدارة، وإلى جميع أعضاء مجلس الإدارة وفريق العمل، مثمنًا جهودهم في دعم العمل المؤسسي وتعزيز التعاون حول القضايا التي تمس الأسرة العربية، مؤكدًا أن تطوير المبادرات المجتمعية وتحقيق أثر مستدام يتطلبان العمل الجماعي وتكامل الخبرات.

بناء الإنسان.

الهدف الأسمى

.

واختتم الدكتور أيمن الدهشان بالتأكيد على أن حماية الأبناء في العصر الرقمي ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية مشتركة تتطلب رؤية واضحة وبرامج قابلة للتنفيذ والتقييم.

وقال إن الهدف ليس أن نُبعد أبناءنا عن التكنولوجيا، وإنما أن نمنحهم المعرفة والمهارات والقيم التي تمكنهم من التعامل معها بأمان ووعي، وأن تكون الأسرة والمدرسة والمؤسسات المختلفة شريكًا حقيقيًا في بناء جيل متوازن نفسيًا وسلوكيًا، قادر على مواكبة المستقبل دون أن يفقد هويته أو علاقاته الإنسانية.

وختم بقوله: «نحن لا نريد جيلًا يرفض التكنولوجيا، ولا جيلًا أسيرًا لها؛ بل نريد جيلًا يمتلك أدوات المستقبل، ويستخدمها بعقل واعٍ، وقيم راسخة، وشخصية متوازنة».

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *