التخطي إلى المحتوى

تصدّرت قضية تحديد نوع الجنين قبل الحمل اهتمام رواد منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث خلال الساعات الأخيرة، بعد أن تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالاً مؤثراً من أب رزقه الله خمس بنات، وأعرب عن شوقه الشديد لطفل ذكر يكمل فرحته العائلية.

ولم يكن هذا السؤال مجرد استفسار فردي عابر، بل فتح باباً واسعاً للنقاش حول الحدود الشرعية والضوابط الدينية التي تحكم تدخل الطب الحديث في اختيار جنس المولود، وهو ما دفع كبار علماء الأزهر الشريف إلى تقديم رؤية فقهية واضحة وشاملة تريح الملايين من المسلمين.

قصة السؤال الذي أثار الجدل

بدأت الواقعة عندما وجّه أحد المواطنين رسالة مليئة بالمشاعر والأمل إلى الدكتور عطية لاشين، عضو لجنة الفتوى الرئيسية بالأزهر الشريف، جاء فيها: «رزقني الله بخمس من البنات، ونفسي تتوق إلى ابن ذكر، فهل يجوز لي شرعاً أن ألجأ إلى الطرق الطبية الحديثة لتحديد نوع الجنين قبل الحمل؟».

ويجسّد هذا التساؤل رغبة فطرية موجودة لدى كثير من الأسر التي تسعى إلى التوازن الأسري بين الذكور والإناث، غير أن صياغته أثارت موجة من الجدل والنقاش الواسع بين المؤيدين والمعارضين لفكرة التدخل الطبي في هذا الشأن.

الضوابط الشرعية العامة لتحديد النسل أو الجنس

يُعدّ التمييز بين «تنظيم النسل» و«تحديد نوع الجنين» أمراً جوهرياً في الفقه المعاصر.

فتنظيم النسل أو المباعدة بين الحمل والآخر جائز عند جمهور الفقهاء إذا كان لعذر صحي أو اجتماعي معتبر وبرضا الزوجين، دون أن يصل الأمر إلى منع الإنجاب بالكلية خوفاً من الفقر، لقول الله تعالى: «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم» (الأنعام: 151).

أما تحديد جنس المولود، فهو مسألة أشد حساسية، لأنها تتصل بمشيئة الله المطلقة في الخلق، وقد نصّ القرآن الكريم على ذلك صراحة في قوله تعالى: «لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور * أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً إنه عليم قدير» (الشورى: 49-50).

وقد استند الفقهاء إلى هذه الآية في تقرير أن الله سبحانه هو المتفرد بتقدير الذكورة والأنوثة، وأن الإنجاب كله هبة ومنّة لا ملكاً للعبد.

الرأي الشرعي الحاسم من الأزهر الشريف

في رده على السؤال المطروح، أوضح الدكتور عطية لاشين أن الشريعة الإسلامية السمحة لا تحرّم الأخذ بالأسباب العلمية والوسائل الطبية المتاحة، بشرط أن يقع ذلك داخل ضوابط ومعايير أخلاقية ودينية دقيقة.

وأكد عالم الأزهر أن استخدام التقنيات الطبية الحديثة – مثل تقنية «تشخيص الخلايا الجنينية قبل الغرس» (PGD) وأطفال الأنابيب – يُعد جائزاً في أصله، ما دام لم يتضمن محاذير شرعية أو مخالفات للأخلاق العامة، ولم يُفضِ إلى كشف للعورات بشكل مبالغ فيه دون حاجة طبية ملحة.

واستند الفقهاء في هذا الترخيص إلى القاعدة الأصولية القائلة إن «الأصل في الأشياء الإباحة»، فضلاً عن قاعدة رفع الحرج ومبدأ الأخذ بالأسباب المادية مع الاعتماد على الله والتوكل عليه، فالدواء والعلاج لم يكن يوماً منافياً للتوكل بل هو من سنن الأخذ بالأسباب.

غير أن بعض العلماء قيّدوا الجواز بضوابط إضافية، منها أن تكون هناك حاجة مشروعة أو مصلحة راجحة، وأن يكون التدخل بغرض العلاج أو ما يشبهه لا مجرد العبث بالمشيئة الإلهية.

تقنيات طبية لفهم حدود التدخل الممكن

يُشار إلى أن أبرز الوسائل الطبية المستخدمة في هذا المجال هي:

  • الفرز الجيني للحيوانات المنوية: تقنية تفصل الحاملات للكروموسوم الذكري (Y) عن الأنثوي (X) بنسبة نجاح تقارب 70-90%، وتُستخدم غالباً في التلقيح الصناعي.
  • التشخيص الجيني قبل الغرس (PGD): يجرى خلال عمليات أطفال الأنابيب، حيث تُفحص الأجنة وراثياً قبل إعادتها إلى الرحم لاختيار جنس معين، وهي الطريقة الأعلى دقة.
  • فرز الأجنة قبل الإرجاع: يتم اختيار الأجنّة حسب النوع بعد التلقيح خارج الرحم.

وتشير الدراسات الطبية إلى أن هذه الإجراءات ليست مضمونة النتيجة بنسبة مئة في المئة، وأن إجراءها دون دواعٍ طبية مبررة يثير تساؤلات أخلاقية حول تكلفتها المادية ومخاطرها الصحية على الأم والأجنة.

نصائح علماء الدين للآباء والأمهات

واختتم عضو لجنة الفتوى بالأزهر الشريف توجيهاته بالتأكيد على أن الأبناء جميعهم هبة من الله سبحانه وتعالى، سواء كانوا ذكوراً أم إناثاً، واستشهد بالآيات القرآنية الكريمة التي تبيّن أن الله يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً ويجعل من يشاء عقيماً.

ودعا الشيخ المواطنين إلى ضرورة الرضا بما قسمه الله تعالى، مع عدم إغفال حق البنات في التربية والرعاية الحسنة.

وذكّر بأن تربية البنات بحنان ورعاية تكون سبباً لدخول الجنة والنجاة من النار، وفقاً للأحاديث النبوية الشريفة، ومنها قوله ﷺ: «من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يُهنها ولم يؤثر ولده عليها، أدخله الله الجنة».

كما شدد على أن جواز اللجوء للأسباب العلمية مرهون بالالتزام بالضوابط الشرعية، وأن الرضا بقدر الله والعمل على تربية الأبناء بصلاح أفضل من السعي الحثيث وراء جنس معين على حساب حقوق البنات أو الميزانية أو صحة الأم.

خلاصة الجواب

يمكن تلخيص الرأي الشرعي في النقاط الآتية: الأول أن الأصل في التدخل الطبي لتحديد الجنس الجواز عند الحاجة المشروعة مع سلامة الضوابط الشرعية؛ الثاني أن هذا الجواز ليس على إطلاقه بل يقيّد بعدم الاحتيال على مشيئة الله ومخالفة الأخلاق العامة؛ الثالث أن الرضا بأبناء الله ومعاشرتهم بالمعروف وتربية البنات على الوجه الأكمل هو وصية الأزهر لكل أب وأم، ويبقى الله وحده هو المالك للخلق والتدبير.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *