مصر وتعظيم كل قطرة مياه: من الندرة إلى الإدارة الذكية
في ظل تحديات مائية غير مسبوقة تواجه الدولة المصرية، كشفت وزارة الموارد المائية والري عن حزمة من الخطوات الاستباقية والحلول الهندسية غير التقليدية التي تستهدف تعظيم الاستفادة من كل قطرة مياه، وتأمين الاحتياجات اللازمة لمختلف القطاعات وفي مقدمتها قطاع الزراعة الذي يستهلك نحو 80% من إجمالي الاستخدامات المائية.
أرقام رسمية تكشف حجم التحدي المائي في مصر
أعلن المهندس محمد عمر مكرم، مساعد وزير الموارد المائية والري للمشروعات الكبرى والرقمنة، أن حجم الموارد المائية المتاحة في مصر يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب سنوياً، بينما تصل إجمالي الاستخدامات والاحتياجات المائية للدولة إلى نحو 88.5 مليار متر مكعب سنوياً، وهو ما يوضح وجود فجوة مائية تقدر بنحو 23.5 مليار متر مكعب تتطلب حلولاً إبداعية ومستدامة.
وتُصنَّف مصر ضمن الدول التي تعاني من الفقر المائي، إذ يبلغ نصيب الفرد من المياه نحو 500 متر مكعب سنوياً، وهو أقل بكثير من حد الفقر المائي العالمي البالغ 1000 متر مكعب للفرد سنوياً.
ويعود هذا الوضع إلى محدودية حصة مصر من مياه نهر النيل، والتي تبلغ 55.5 مليار متر مكعب سنوياً، إلى جانب الاعتماد المحدود على مصادر أخرى مثل الأمطار ومياه التحلية.
إعادة تدوير المياه.
سلاح مصر لمواجهة الندرة.
ولسد هذه الفجوة الكبيرة بين الموارد والاستخدامات، أكد مساعد الوزير أن الدولة نجحت في تطبيق منظومة متطورة لإعادة تدوير واستخدام المياه، حيث يتم إعادة استخدام نحو 23 مليار متر مكعب من المياه سنوياً، تشمل مياه الصرف الزراعي والصناعي والصحي المعالجة.
وتُعد هذه الخطوة واحدة من أهم السياسات المائية التي تنتهجها الحكومة المصرية حالياً لتقليل الهدر وتعظيم كفاءة إدارة المنظومة المائية.
أبرز محاور الاستراتيجية المائية المصرية
- إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي: بعد معالجتها وتخلطها مع المياه العذبة، ما يسهم في توفير مليارات الأمتار المكعبة لدعم المشروعات الزراعية خاصة في الدلتا وشمال سيناء.
- التحلية لمياه البحر: التوسع في إنشاء محطات تحلية المياه، خصوصاً في المحافظات الساحلية والمدن الجديدة، بالاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة لتقليل التكلفة.
- الرقمنة والتحول التكنولوجي: تطبيق منظومات رقمية لإدارة المياه والتحكم فيها عن بعد، مثل منظومة الرصد اللحظي للترع والمصارف، والتحكم في توزيع المياه آلياً.
- تطوير نظم الري: التحول من الري بالغمر إلى الري الحديث (الرش والتنقيط) لتوفير نحو 30% من مياه الري، مع تحفيز المزارعين على تبنّي هذه الأنظمة.
- تبطين الترع والمصارف: تقليل الفواقد الناتجة عن التسرب؛ إذ يهدف المشروع القومي لتبطين الترع إلى تغطية آلاف الكيلومترات لتحسين كفاءة نقل المياه.
- حصاد مياه الأمطار والسيول: إنشاء السدود والبحيرات الصناعية في المناطق الصحراوية مثل سيناء ومطروح للاستفادة من مياه الأمطار.
دور التكنولوجيا والرقمنة في إدارة المياه
يعتمد المشروع القومي لتحديث منظومة الري على تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء لمراقبة جودة المياه وكمياتها لحظياً، مما يمكّن متخذي القرار من اتخاذ تدابير فورية عند حدوث أي طارئ، مثل ارتفاع نسبة الملوحة أو انخفاض منسوب المياه في الترع.
كما يتم ربط قواعد البيانات بين الجهات المعنية لإدارة الموارد المائية بشكل تكاملي.
التحديات المستقبلية وآفاق التطوير
ورغم هذه الجهود، تواجه مصر تحديات متزايدة أبرزها النمو السكاني المستمر الذي يرفع الطلب على المياه، وتأثير التغيرات المناخية على منابع النيل، وتأثيرات سد النهضة الإثيوبي على إيرادات مصر المائية.
ولذلك تركز الدولة على رفع كفاءة استخدام المياه إلى أعلى معدلاتها، وتنويع مصادر المياه عبر مشروعات التحلية وإعادة الاستخدام، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي في مجال إدارة الموارد المائية العابرة للحدود.
وبذلك، تقدم مصر نموذجاً رائداً في المنطقة لكيفية مواجهة الفقر المائي من خلال الابتكار الهندسي والإدارة الذكية للموارد، في إطار رؤية مصر 2030 للتنمية المستدامة.

التعليقات