في تطور دبلوماسي غير مسبوق يعيد رسم ملامح منطقة القوقاز الجنوبي، أعلن رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان أن بلاده قد توقع معاهدة سلام نهائية ومكتملة مع أذربيجان خلال العامين المقبلين، في تصريح وصفه المراقبون بأنه الأكثر تحديداً منذ اندلاع نزاع قره باغ في تسعينيات القرن الماضي.
ويأتي هذا الإعلان ليضع حداً لعقود من المواجهات المسلحة والخلافات الحدودية التي استنزفت موارد البلدين وهددت أمن المنطقة بأسرها.
خطوات ملموسة على طريق التسوية النهائية
أكد رئيس الوزراء الأرميني أن المفاوضات الجارية مع باكو تسير بوتيرة إيجابية، مشيراً إلى أن نقاط الخلاف الرئيسية المتبقية، وعلى رأسها ترسيم الحدود وتحديد مسار طرق النقل، باتت في مرحلة متقدمة من المعالجة.
ويعتمد الطرفان على الوساطة الدولية، لا سيما الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، للوصول إلى صيغة توافقية تضمن لهما أمن الحدود المشتركة وتفتح صفحة جديدة من العلاقات الثنائية القائمة على حسن الجوار والاحترام المتبادل.
وتُعد قضية الأسرى والترتيبات الأمنية في المناطق الحدودية من الملفات الحساسة التي يخضع إغلاقها لرقابة دقيقة من الوسطاء الدوليين، إذ تسعى كل من يريفان وباكو إلى بناء الثقة المتبادلة قبل الانتقال إلى التوقيع الرسمي على المعاهدة.
«طريق ترامب للسلام»: مشروع تحولي للاقتصاد الإقليمي
لم تتوقف التطورات عند الجانب السياسي، بل أعلن رئيس الوزراء الأرميني عن البدء الفعلي في تنفيذ مشروع «طريق ترامب للسلام»، وهو ممر نقل استراتيجي يهدف إلى ربط أذربيجان بجمهورية ناخيتشيفان ذاتية الحكم عبر الأراضي الأرمينية، بما يفتح آفاقاً واسعة أمام حركة التجارة والتبادل الاقتصادي بين دول القوقاز وآسيا الوسطى وصولاً إلى أوروبا.
ويحمل هذا الممر أهمية جيوسياسية واقتصادية بالغة، إذ سيعيد رسم خرائط الطاقة وشبكات النقل الإقليمية، ويحوّل مناطق الصراع السابقة إلى شرايين حيوية للاستثمار والتنمية، مع ما يترتب على ذلك من فرص لخلق فرص عمل وتنشيط قطاعات السياحة واللوجستيات والطاقة المتجددة في البلدين.
ترحيب دولي وقراءة تحليلية للمشهد
لاقت هذه التطورات ترحيباً واسعاً من الدوائر الدبلوماسية الدولية التي تراقب بنك المفاوضات بين يريفان وباكو عن كثب.
ويرى محللون أن التزام الطرفين بالمسار السلمي قد يغير خريطة الأمن الإقليمي بالكامل، خاصة في ظل تراجع نفوذ بعض الأطراف التقليدية وبروز لاعبين جدد في المنطقة.
غير أن المراقبين يحذرون من أن الطريق إلى السلام ما زال محفوفاً بالتحديات، لا سيما ما يتصل بمصير النازحين والممتلكات والتسوية القانونية للخلافات التاريخية، وهي ملفات قد تعطّل مسار التصديق النهائي على المعاهدة إذا لم تُعالج بحكمة وضمانات متبادلة.
مستقبل المنطقة بين فرص السلام ومخاطر الانتكاس
إذا ما تحقق هذا السيناريو، فستكون منطقه القوقاز على موعد مع تحول استراتيجي طويل الأمد ينتج عنه إنهاء إحدى أطول النزاعات الإقليمية في الجغرافيا السياسية المعاصرة، مع منح شعوب المنطقة فرصة حقيقية للعيش في أمان وسلام بعد عقود من عدم الاستقرار والمعاناة الإنسانية.
ويبقى السؤال الأهم: هل يمتلك الطرفان الإرادة السياسية الكافية لتحويل هذه الوعود إلى واقع ملموس؟.

التعليقات