التخطي إلى المحتوى

في لحظة كهذه، ينبغي لكل عربي ومسلم أن يتوقف قليلًا بعيدًا عن الضجيج السياسي وتراشق المواقف، ليتأمل سؤالًا واحدًا: ماذا يعني أن تقترب الحرب من مكة؟

في 15 سبتمبر، أعلنت السعودية اعتراض وتدمير طائرة مسيّرة أطلقها الحوثيون باتجاه مكة المكرمة قبل دخولها المجال الجوي المحظور.

وبحسب التحالف، فقد كانت هذه المحاولة الثانية من نوعها بعد واقعة عام 2017.

لكن خطورة الحدث لا تقف عند الجانب العسكري، لأن مجرد اقتراب تهديد من محيط مكة يكشف أن الصراع تجاوز حدوده المعتادة.

مكة ليست مدينة كغيرها.

هي قبلة المسلمين، وفيها المسجد الحرام والكعبة المشرفة، وهي بالنسبة لأكثر من مليار مسلم رمز ديني وروحي يتجاوز الجغرافيا والسيادة السياسية.

لذلك فإن أي تهديد يمس سماءها أو أمنها لا يمكن التعامل معه باعتباره خبرًا عابرًا في سجل الحروب.

وهنا يصبح السؤال أوسع من اليمن والسعودية والحوثيين: ماذا يفعل المسلمون إذا تحولت مكة نفسها إلى مساحة مهددة بفعل الصراع؟

حتى الآن، كان الرد الإسلامي والعربي قائمًا على الإدانة والتنديد والتأكيد على أن أمن الحرمين خط أحمر.

وهذه المواقف مهمة، لكنها لا تكفي وحدها إذا ظل التهديد يتكرر أو إذا تحولت المقدسات إلى جزء من الرسائل العسكرية والسياسية.

الأخطر أن الجماعة التي رفعت لسنوات شعارات العداء لأمريكا وإسرائيل، وحرصت على تقديم نفسها باعتبارها في مواجهة مباشرة معهما، بدت في الممارسة أكثر تعقيدًا من خطابها المعلن.

فبحسب تقارير إعلامية، بينها ما نقلته رويترز عن مصادر مطلعة، جرت اتصالات وتفاهمات غير معلنة تتعلق بعدم استهداف سفن أمريكية، مع ترتيبات أو استثناءات تخص سفنًا أخرى.

كما تحدثت تقارير لاحقة عن تفاهمات أوسع مرتبطة بحركة الملاحة في البحر الأحمر.

وهنا يبرز التناقض: إذا كان شعار “الموت لأمريكا” يمثل عنوانًا للخطاب، فلماذا تصبح المصالح البحرية مجالًا للتفاهم؟ ولماذا يظهر المرونة عند الاقتراب من السفن الأمريكية أو الإسرائيلية، بينما تُدفع مكة إلى واجهة الخطر؟

المسألة ليست اتهامًا للنيات، بل قراءة في التناقض بين الخطاب والممارسة.

فحين يتحول الدين إلى أداة تعبئة سياسية، ثم تصبح أقدس بقاع المسلمين عرضة للمخاطر، فإن السؤال يصبح أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا.

كما أن اليمن كله لا يختزل في جماعة مسلحة، ولا يجوز تحميل الشعب اليمني تبعات قرار فصيل واحد.

واليمن بلد عربي عريق، وتاريخه أكبر من أي مشروع عسكري عابر.

وبالمثل، فإن الإسلام ليس ملكًا لجماعة ولا شعارًا ترفعه فئة لتمنح نفسها شرعية أوسع من حجمها.

إن حماية مكة ليست شأنًا سعوديًا فحسب، رغم أن المملكة تتحمل المسؤولية المباشرة عن أمنها، بل هي قضية تمس وجدان كل مسلم.

فالحرمين ليسا ملفًا سياسيًا يمكن التعامل معه من بعيد أو إدخاله في مساومات النفوذ.

الدول قد تختلف في تحالفاتها وحساباتها ومصالحها، لكن هناك حدودًا لا ينبغي تجاوزها.

ومكة واحدة من هذه الحدود.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من أطلق المسيّرة؟ بل أيضًا: كيف وصلنا إلى لحظة تصبح فيها قبلة المسلمين هدفًا محتملًا في لعبة الرسائل العسكرية؟

إن أي تهديد لمكة أو تعريض أمنها للخطر هو تجاوز لمقام المقدسات قبل أن يكون اعتداءً على دولة أو حدود.

ومن لا يدرك قدسية هذا المكان، يحتاج إلى إعادة النظر في معنى الصراع نفسه.

حفظ الله مكة المكرمة، وحفظ المملكة العربية السعودية، وسائر بلاد المسلمين.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *