التخطي إلى المحتوى

أكد فضيلة الشيخ ماجد راضي، مدير عام إدارة المتابعة بمديرية أوقاف جنوب سيناء، أن تدبر آيات القرآن الكريم يفتح أمام الإنسان آفاقًا أعمق لفهم حقيقة التوكل على الله واليقين بقدرته وحكمته ورحمته، مشيرًا إلى أن معرفة الله سبحانه وتعالى حق المعرفة تُعيد للقلب توازنه وتمنح الإنسان القدرة على مواجهة تقلبات الحياة دون أن يفقد ثقته في ربه أو يستسلم لليأس أمام الشدائد.

آية تحدد علاقة الإنسان بخالقه

وأوضح الشيخ ماجد راضي أن قول الله تعالى في سورة الأنعام: «قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ»، تحمل معنى إيمانيًا عظيمًا يضع الإنسان أمام حقيقة الخالق والرازق والمدبر، وتدعوه إلى أن يجعل تعلقه القلبي وتوكله وعبادته لله وحده الذي خلق السماوات والأرض ولا يعجزه شيء في ملكه.

وأشار إلى أن الآية الكريمة لا تقدّم مجرد معنى يُتلى، وإنما تفتح بابًا لمراجعة علاقة الإنسان بربه، لافتًا إلى أن من يدرك أن الله هو فاطر السماوات والأرض وهو الذي يرزق عباده ولا يحتاج إلى أحد منهم، يصبح أكثر وعيًا بحدود قدرته البشرية وأكثر إدراكًا لحقيقة افتقاره الدائم إلى فضل الله ورحمته وتوفيقه.

القلق المفرط من المستقبل

وأضاف أن كثيرًا من مشاعر القلق التي تثقل النفس تنشأ من الخوف المفرط من المستقبل، أو الاعتقاد بأن تعثر الأسباب يعني انسداد أبواب الفرج، بينما يعلمنا القرآن أن الإنسان مطالب بالسعي والعمل والأخذ بالأسباب المشروعة دون أن يجعل قلبه أسيرًا للظروف، أو يربط طمأنينته بضمان النتائج التي لا يملكها.

التوكل ليس تواكلًا

وأكد أن التوكل الصحيح لا يعني ترك العمل أو انتظار الرزق دون اجتهاد، بل يقوم على بذل الجهد وتحمل المسؤولية مع اليقين بأن الأسباب لا تستقل بصناعة النتائج، وأن التوفيق بيد الله سبحانه وتعالى، موضحًا أن المؤمن يجمع بين السعي الجاد والثقة في تدبير الله، فلا يدفعه الإيمان إلى التواكل ولا تدفعه صعوبات الحياة إلى القنوط.

«وهو يطعم ولا يطعم»

ولفت إلى أن قوله تعالى «وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ» يبرز كمال غنى الله سبحانه وتعالى وافتقار جميع خلقه إليه، فكل مخلوق يحتاج إلى رزقه وفضله، بينما الله عز وجل غني عن العالمين.

وأشار إلى أن استحضار هذه الحقيقة يعين الإنسان على تجاوز الغرور عند اتساع الرزق، ويحفظ قلبه من الانكسار حين تضيق الظروف، ويجعله أكثر إدراكًا أن ما في أيدي البشر محدود وأن قدرة الله لا تحدها حسابات الإنسان.

اليقين لا يعني انقطاع الابتلاء

وأوضح أن اليقين بالله لا يعني أن تخلو الحياة من الابتلاءات أو أن تتحقق جميع الأمنيات بالصورة التي ينتظرها الإنسان، وإنما يعني أن يظل المؤمن متمسكًا بالأمل، مستمرًا في السعي، محسنًا الظن بربه، مدركًا أن تأخر ما يرجوه لا يعني انقطاع رحمة الله عنه، وأن واجبه هو الصبر والعمل والدعاء مع التسليم لحكمة الله سبحانه وتعالى.

القرآن يبني شخصية متوازنة

وأشار إلى أن تعليم القرآن الكريم لا يقتصر على تصحيح التلاوة وإتقان أحكامها، بل يمتد إلى فهم المعاني وتطبيقها في واقع الحياة حتى تتحول الآيات إلى سلوك ينعكس على أخلاق الإنسان وقراراته وطريقة تعامله مع الأزمات، مؤكدًا أن القرآن يبني شخصية متوازنة تجمع بين قوة الإيمان وحسن العمل وتحمل المسؤولية والرحمة بالآخرين.

أين تضع رجاءك؟

واختتم فضيلة الشيخ ماجد راضي حديثه بالتأكيد على أن أعظم ما تمنحه هذه الآية للإنسان هو أن يعرف أين يضع رجاءه، ولمن يلجأ بقلبه، وكيف يواجه الحياة دون أن يفقد يقينه بالله، موضحًا أن من عرف أن الله هو فاطر السماوات والأرض ورازق العباد، أدرك أن الطمأنينة لا تأتي من امتلاك كل الإجابات أو السيطرة على جميع الظروف، وإنما من صدق التوكل على الله مع مواصلة السعي والعمل والأخذ بالأسباب.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *