مقدمة: مقولة تتناقلها الأجيال منذ عقود
على مدى سنوات طويلة، ترددت على ألسنة المصريين والعرب عبارة شائعة يرتبط بها كثير من الناس عند قضاء الحاجات وتفريج الكروب، وهي مقولة «يس لما قرأت له»، والتي يُنسبها البعض خطأً إلى السنة النبوية الشريفة، ويتعامل معها الكثيرون باعتبارها وعداً شرعياً بأن من قرأ سورة يس تحقق له ما نوى وطلب.
وقد انتشرت هذه العبارة في مجالس الناس، وفي الأدعية اليومية، وفي منشورات منصات التواصل الاجتماعي، حتى صارت جزءاً من الثقافة الشعبية الدينية رغم عدم ثبوتها.
ما هي سورة يس ومكانتها في القرآن الكريم؟
سورة يس سورة مكية، تقع في الجزء الثالث والعشرين من المصحف الشريف، وتضم ثلاثاً وثمانين آية، وتُعد من السور التي أولت العلماء بها عناية خاصة لما ورد فيها من مشاهد الإيمان والبعث والجزاء، ومن أبرزها قصة أصحاب القرية وقصة الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة.
وقد أطلق عليها بعض السلف ألقاباً عدة من بينها «قلب القرآن» و«السورة العظيمة»، وهي تسميات وردت في آثار مختلفة لكنها محل نقاش بين المحدثين من حيث ثبوتها.
موقف دار الإفتاء المصرية من الحديث
التصدي لهذه المقولة أوضحه الشيخ أحمد ممدوح، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، حيث أكد بشكل قاطع أن عبارة «يس لما قرأت له» ليست حديثاً نبوياً صحيحاً، بل هي حديث ضعيف من جميع طرقه وأسانيده، فلا يصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمعنى الاصطلاحي المعتبر للحديث الصحيح.
وأشار إلى أن ضعف السند يشمل كافة الروايات التي وردت بهذا اللفظ، مما يجعل الاستدلال بها على وعد مشروط بتحقق الحاجة غير صحيح شرعاً.
لماذا تعدّ هذه المقولة ضعيفة السند؟
يبيّن علماء الحديث أن الحكم على أي نص بالصحة يستلزم اتصال السند وعدالة الرواة وضبطهم وانتفاء الشذوذ والعلة، وهذه الشروط لم تتوافر في روايات هذا اللفظ.
ومن هنا، فإن تداول المقولة على أنها حديث ثابت فيه مخالفة لمنهج أهل العلم في التثبت والتحقق، ما دفع دار الإفتاء والعلماء إلى التنبيه المتكرر على خطورة نشر النصوص الضعيفة بين عامة الناس لأنها تُنسب إلى الدين دون بيّنة.
هل يعني الضعف عدم قراءة سورة يس؟
المنهج الوسطي الذي أكده العلماء أن ضعف الحديث في فضل معين لا يعني منع قراءة السورة أو التحذير منها، بل على العكس فإن قراءة القرآن الكريم بصفة عامة عبادة مشروعة وقربة عظيمة تعود على المسلم بالخير والبركة والطمأنينة والسكينة، ويستحب الدعاء عقب التلاوة فهي من مواطن الإجابة.
فالمسلم يقرأ يس كما يقرأ أي سورة من كتاب الله بنية القربة والتلاوة، دون أن يعتقد أن في ذلك وعداً ملزماً بتحقق مطلبه تحديداً.
ضوابط التعامل مع الروايات الدينية المنتشرة
شدّد العلماء على ضرورة تحري الدقة والتثبت قبل تداول أي حديث أو نص ديني أو نشره عبر منصات التواصل الاجتماعي، فالتثبت من مصادر العلم الشرعي المعتمدة واجب يحفظ للناس دينهم ويصون الحديث النبوي من التحريف والخلط.
ومن ذلك الرجوع إلى أهل العلم والمؤسسات الرسمية المختصة قبل إعادة نشر ما يظهر عبر الهواتف والحسابات، لأن حاجة الناس إلى العلم الصحيح تفوق بكثير سرعة انتشار المعلومة دون تمحيص.
خاتمة
يبقى جوهر الإشكال في فهم الفرق بين القرآن والسنة في الثبوت، فسورة يس ثابتة مقطوع بها لأنها من كتاب الله، بينما نسبة هذا اللفظ بعينه إلى السنة النبوية لا تصح.
لذلك فإن إحسان المسلم وتفقده لعبادته يكون بقراءة القرآن بإخلاص دون إلزام الله بشيء، وبالتثبت من النصوص المنقولة، والتمييز بين ما هو من كتاب الله وما هو من كلام الناس، في مسعى للالتزام بمنهج العلم والأمانة في نقل الدين للناس أجمعين.
#دار_الإفتاء #سورة_يس #يس_لما_قرأت_له #أخبار_مصر #الشيخ_أحمد_ممدوح

التعليقات