التخطي إلى المحتوى

بقلم: إيمان مزريقي

يشكل ملف تأميم الثروات في تونس أحد أبرز المحاور في تاريخ بناء الدولة الحديثة واستعادة السيطرة على المقدرات الوطنية، إذ يجسد انتقالاً تاريخياً من الاستنزاف الاستعماري إلى تعزيز السيادة الاقتصادية وضمان توجيه الموارد لخدمة التنمية الشاملة، وتتداخل فيه الأبعاد التاريخية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأكاديمية بشكل يجعله موضوعاً غنياً بالدلالات والدروس المستخلصة عبر عقود.

فتحت الحماية الفرنسية التي امتدت من عام 1881 إلى 1956 تحولت تونس إلى مصدر رئيسي للثروات الزراعية والمنجمية لصالح المعمرين والشركات الأجنبية، حيث قدرت الدراسات التاريخية الأراضي التي سيطر عليها الأوروبيون في أوج الاستعمار بنحو 700 إلى 900 ألف هكتار من أخصب المناطق خاصة في الشمال والسهول الخصبة، وبحلول عام 1914 بلغت المساحات المسجلة بيد الفرنسيين والإيطاليين وغيرهم نحو 920 ألف هكتار في بعض الإحصاءات الرسمية آنذاك، بينما أشارت تقديرات أخرى إلى أن الأوروبيين امتلكوا حوالي 20% من الأراضي المزروعة رغم قلة عددهم مقارنة بالسكان المحليين، وشملت السيطرة أيضاً الفوسفاط والملح والامتيازات النفطية التي منحتها الاتفاقيات الاستعمارية حقوقاً طويلة الأمد للشركات الأجنبية مع إعفاءات وتسهيلات أدت إلى استنزاف الموارد دون عائد كافٍ للسكان، وأكدت وثائق تاريخية لاحقة أن اتفاقيات الاستقلال نفسها احتفظت ببعض الامتيازات الفرنسية في التنقيب والاستغلال مما أبقى على تحديات السيادة الاقتصادية حتى بعد عام 1956.

وبعد الاستقلال مباشرة شرعت الدولة التونسية في استعادة السيطرة على القطاعات الاستراتيجية، فبين عامي 1956 و1960 أمّمت القطاع المصرفي وشركات الكهرباء والغاز والماء وأسست الشركة الوطنية للسكك الحديدية وخرجت من منطقة الفرنك، ثم جاء القانون عدد 5 لسنة 1964 الصادر في 12 مايو 1964 في ذكرى معاهدة باردو ليكرس هذه الاستعادة بشكل حاسم، إذ نص الفصل الأول منه على أن ملكية الأراضي ذات الوجهة الزراعية لا يمكن أن تكون إلا لأشخاص طبيعيين تونسيين أو لشركات تعاضدية منشأة وفق القانون عدد 19 لسنة 1963، ونقل الفصل الثالث الملكيات التي لا تستوفي هذه الشروط إلى الملك الخاص للدولة بما في ذلك الماشية والمعدات اللازمة للاستغلال، وشمل القرار نحو 300 ألف هكتار إضافية كانت لا تزال بيد الأجانب بعد أن سمحت اتفاقيات سابقة باسترداد حوالي 150 ألف هكتار عبر الشراء مقابل تعويضات محدودة، وبذلك أصبح القانون أداة قانونية مركزية في تعزيز سيطرة الدولة على المجال الفلاحي وإعادة توزيع الموارد.

علاوة على ذلك بلغت سياسة التأميم ذروتها في الستينيات مع تبني الاشتراكية الدستورية وقيادة أحمد بن صالح لوزارة التخطيط والاقتصاد، حيث فرضت الدولة نظام التعاضديات على الأراضي الفلاحية والتجارة والصناعة، وبحلول عام 1969 بلغ عدد الوحدات التعاضدية الفلاحية نحو 700 وحدة تغطي حوالي 600 ألف هكتار ساهم الفلاحون الصغار بنحو ثلث هذه المساحة بينما غطت أراضي الدولة الباقي، وأشارت بعض الإحصاءات إلى أن نسبة الأراضي الجماعية أو التعاضدية وصلت إلى 90% في مناطق معينة، وهدفت التجربة إلى تحديث الفلاحة وتحقيق أجر أدنى ونقل الفائض الزراعي إلى القطاعات الصناعية ضمن خطة التنمية العشرية، غير أن التحديات الإنتاجية والإدارية أدت إلى توقفها في 1969 مع التحول التدريجي نحو سياسات أكثر انفتاحاً في السبعينيات مع الإبقاء على دور الدولة في القطاعات الاستراتيجية.

في العقود اللاحقة اتخذت السيطرة على الثروات أشكالاً أخرى، فخلال فترة حكم زين العابدين بن علي أظهرت دراسة للبنك الدولي صدرت عام 2014 تحت عنوان «كل شيء داخل العائلة» أن نحو 220 شركة مرتبطة بعائلة بن علي وأصهاره استحوذت في نهاية 2010 على أكثر من 21% من أرباح القطاع الخاص التونسي رغم أنها تمثل أقل من 1% من الوظائف، وقدرت القيمة الإجمالية لهذه الأصول بنحو 13 مليار دولار أي أكثر من ربع الناتج المحلي الإجمالي آنذاك، ووثقت الدراسة كيف استخدمت التشريعات لإنشاء حواجز دخول في 45 قطاعاً وقيوداً على الاستثمار الأجنبي في 28 قطاعاً عبر 25 مرسوماً مما عزز تركز الثروة في دائرة محدودة.

ومن ثم بعد ثورة 2011 صدر المرسوم عدد 13 لسنة 2011 بتاريخ 14 مارس بمصادرة أموال وممتلكات بن علي وزوجته ليلى الطرابلسي و114 شخصاً من أقاربهما والمقربين، وشملت المصادرات نحو 550 عقاراً و48 قارباً ويختاً و367 حساباً بنكياً وحوالي 400 مؤسسة، وقدرت العائدات التي دخلت الخزينة العامة بمئات الملايين من الدولارات خلال السنوات اللاحقة واستُخدمت في دعم الموازنة وسداد بعض الالتزامات، وتواصلت الجهود لاسترداد الأموال الموجودة في الخارج عبر لجان متخصصة وتعاون دولي.

أما في الوقت الراهن عام 2026 يتواصل العمل على ملف الأملاك المصادرة والأموال المهربة كأولوية وطنية، حيث تؤكد الجهات الرسمية ضرورة المحافظة على هذه الأصول واستغلالها الأمثل وضمان استرداد حقوق الشعب التونسي فيها مع تبسيط الإجراءات وتعزيز الحوكمة، وعلى الصعيد الخارجي تواصل الدبلوماسية التونسية المطالبة باستعادة الأموال في المحافل الدولية مثل مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية حيث تشدد على ضرورة تبسيط إجراءات الاسترداد، وتمدد بعض الدول تجميد الأصول المرتبطة بالنظام السابق بينما تتواصل الإجراءات القضائية في دول أخرى، أما داخلياً فقد وسع قانون المالية لسنة 2026 الضريبة على الثروة لتشمل العقارات والمنقولات والأصول المالية بنسب تصاعدية تبلغ 0.5% للثروات بين 3 و5 ملايين دينار و1% لما فوق ذلك في إطار تعزيز الموارد العامة والعدالة الجبائية مع استثناءات للمسكن الرئيسي والأصول المهنية.

ومن الناحية الأكاديمية والعلمية تناولت دراسات تاريخية واقتصادية هذا المسار بعمق، فأبرزت أبحاث حول الاستعمار كيف أدت قوانين التسجيل العقاري الاستعمارية إلى تسهيل انتقال الأراضي بينما حللت تقارير البنك الدولي آليات تركز الثروة عبر التشريعات، واجتماعياً يظل توزيع الثروة تحدياً حيث تشير تقديرات إلى أن أغنى 10% يملكون نحو 58% من إجمالي الثروة وأن 1% يستحوذون على أكثر من 24% بينما يمتلك أفقر 50% أقل من 5%، وسياسياً ساهمت سياسات التأميم والاسترداد في تعزيز شرعية الدولة الوطنية وقدرتها على حماية المقدرات وتوجيهها نحو التنمية.

وبذلك يظل مسار تأميم الثروات واستردادها في تونس شاهداً على إرادة وطنية متجددة في تعزيز السيادة الاقتصادية وضمان أن تعود خيرات البلاد إلى شعبها، ومع استمرار الجهود المؤسسية والقانونية والدبلوماسية يفتح هذا الملف آفاقاً لمزيد من الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد الوطنية بما يخدم التوازنات الاقتصادية والاجتماعية على المدى الطويل ويؤكد أن السيادة على الثروات ركيزة أساسية لبناء مستقبل مستدام.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *